فتحت تصريحات جديدة أدلى بها توفيق بن ناصر نجل الجنرال الجزائري الراحل العربي بن ناصر عبر سلسلة حوارات مع الصحافي عبدو سمار الباب أمام عودة ملفات حساسة مرتبطة ببنية الحكم في الجزائر، بعدما تضمنت روايته اتهامات خطيرة بشأن الفساد داخل دوائر القرار، والصراعات بين أجنحة المؤسسة العسكرية، وظروف وفاة رئيس الأركان السابق أحمد قايد صالح، فضلا عن طبيعة العلاقة بين النفوذ العسكري والمصالح الاقتصادية.
تكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في كون صاحبها ينتمي إلى عائلة ارتبطت لعقود بالمؤسسة العسكرية والقضاء العسكري في الجزائر، وهو ما يمنح شهادته بصرف النظر عن مدى صحة كل ما ورد فيها، قدرة على إعادة طرح أسئلة قديمة حول طبيعة صناعة القرار داخل النظام الجزائري وحدود الرقابة على المؤسسة العسكرية وتداخل النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي.
تأتي هذه التصريحات في سياق تعيش فيه الجزائر منذ سنوات على وقع تغييرات متتالية داخل أجهزة الدولة والأمن والاستخبارات، وتبادل الاتهامات بين شخصيات كانت في وقت سابق جزءا من دوائر السلطة، ما يعكس استمرار التوتر داخل بنية النظام السياسي والأمني.
بحسب ما ورد في الحوارات المنشورة قدم بن ناصر رواية تنتقد بشدة طريقة اشتغال المؤسسة العسكرية متحدثا عن وجود شبكات للمحسوبية، واستفادة أبناء مسؤولين نافذين من امتيازات اقتصادية، إلى جانب صراعات داخلية بين مراكز القوى.
كما تحدث عن آليات يزعم أنها سمحت بتحويل النفوذ العسكري إلى نفوذ اقتصادي، من خلال الاستفادة من القروض والتراخيص والعقار والصفقات، معتبرا أن العلاقة بين السلطة والثروة أصبحت وفق روايته جزءا من الصراع الداخلي على مواقع القرار.
تبقى هذه المعطيات في غياب تحقيقات مستقلة أو وثائق قضائية منشورة تؤكدها، ضمن خانة الاتهامات والشهادات التي تحتاج إلى التحقق، غير أن أهميتها السياسية تكمن في أنها صادرة عن شخص يقدم نفسه باعتباره من داخل المؤسسة وليس من خارجها.
وهنا تكمن حساسية القضية بالنسبة إلى الجزائر؛ فالمشكلة لا ترتبط فقط بمضمون الاتهامات وإنما بكون النقاش حول الفساد والصراع داخل المؤسسة العسكرية أصبح يطرح من طرف شخصيات مرتبطة تاريخياً بدوائر الحكم نفسها.
أكثر الملفات حساسية في تصريحات بن ناصر يتعلق بوفاة أحمد قايد صالح في ديسمبر 2019 فقد تحدث عن ظروف اعتبرها مشبوهة، وقدم رواية تتضمن ادعاءات بشأن وجود ارتباك في التعامل الطبي والأمني مع الحالة الصحية لرئيس الأركان السابق، إضافة إلى حديثه عن منع إجراء تشريح للجثمان وإبعاد بعض الأشخاص الذين كانوا قريبين من قايد صالح عن المشهد بعد وفاته.
إعادة فتح الملف تحمل دلالة سياسية تتجاوز مسألة الوفاة نفسها، خصوصا أن قايد صالح كان أحد أبرز الفاعلين في المرحلة التي أعقبت الحراك الشعبي سنة 2019، قبل أن تنتهي حياته بشكل مفاجئ بعد أسابيع قليلة من انتخاب عبد المجيد تبون رئيسا للجزائر.
ومن ثم فإن عودة الحديث عن ظروف وفاته من داخل محيط المؤسسة العسكرية، تعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع حول انتقال السلطة داخل الجزائر وطبيعة الصراعات التي رافقت إعادة ترتيب مراكز النفوذ بعد سقوط عبد العزيز بوتفليقة.
الجانب الآخر من الشهادة يتعلق بالمال والنفوذ، فبن ناصر تحدث عن استفادة شخصيات عسكرية وأبنائها من امتيازات اقتصادية، وربط بين تقلد المناصب العليا وبين الوصول إلى فرص تجارية وعقارية وتمويلات، كما قدم اتهامات تتعلق باختلالات مالية داخل بعض القطاعات المرتبطة بالدفاع.
ومرة أخرى فإن هذه الاتهامات تحتاج إلى إثبات مستقل، غير أن تكرار ملف الفساد في الصراعات السياسية الجزائرية ليس جديدا. فمنذ سنوات تحولت ملفات الفساد إلى إحدى الأدوات الرئيسية في تصفية الحسابات بين أجنحة السلطة، حيث أعيد فتح ملفات ضد مسؤولين ورجال أعمال وشخصيات عسكرية بعد خروجهم من دائرة النفوذ، بينما ظلت العلاقة بين القضاء والصراع السياسي محل نقاش واسع.
وهذا الوضع يطرح سؤالا جوهريا: هل محاربة الفساد في الجزائر تقوم على قواعد مؤسساتية ثابتة، أم أن الملفات المالية تتحول إلى أدوات في الصراع على السلطة؟
بعيدا عن مدى صحة كل ما ورد في شهادة بن ناصر فإن التطور الأهم يتمثل في أن الصورة التي تقدمها هذه التصريحات تتقاطع مع سؤال أوسع يتعلق بطبيعة النظام السياسي الجزائري.
فالجزائر لا تواجه فقط انتقادات من معارضين أو مراقبين من الخارج، بل تشهد أيضا خروج أصوات من داخل محيط السلطة والمؤسسة العسكرية للحديث عن صراعات النفوذ والامتيازات والفساد.
وهذا النوع من الشهادات يضع النظام أمام تحد مزدوج: إما فتح الملفات عبر آليات قضائية مستقلة وشفافة، أو ترك الاتهامات تتراكم في المجال الإعلامي والسياسي وتتحول إلى جزء من صورة النظام في الداخل والخارج.
كما أن استمرار تداول روايات من هذا النوع يضع الخطاب الرسمي الجزائري حول مكافحة الفساد والشفافية وحماية مؤسسات الدولة أمام اختبار عملي، خصوصا عندما تكون الاتهامات موجهة إلى شخصيات ومؤسسات كانت في صلب منظومة الحكم.
لطالما قدم النظام الجزائري المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن للاستقرار وحماية الدولة والسيادة، وهو خطاب مركزي في بنية الشرعية السياسية الجزائرية منذ الاستقلال.
لكن كلما خرجت شهادات تتحدث عن صراعات داخلية، أو امتيازات مرتبطة بالنفوذ، أو تصفيات سياسية، أو توظيف للقضاء في النزاعات بين مراكز القوى، فإن السؤال ينتقل من حماية الدولة إلى طبيعة المؤسسات التي يفترض أن تحميها.
تزداد حساسية هذا النقاش في ظل الإنفاق العسكري الكبير الذي تخصصه الجزائر للدفاع، مقابل استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد. فكلما ارتفعت قيمة الموارد الموضوعة تحت تصرف مؤسسات الدولة، ارتفعت في المقابل الحاجة إلى الشفافية والرقابة والمساءلة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقطاعات ترتبط بالأمن والدفاع وتعمل عادة في نطاق أكثر انغلاقا من باقي المؤسسات.
لا تكفي تصريحات شخص واحد لإثبات وجود فساد ممنهج أو تصفيات سياسية داخل الدولة الجزائرية، كما أن الاتهامات المتعلقة بوفاة قايد صالح أو اختلاس أموال عامة تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة قابلة للتحقق.
لكن أهمية هذه الشهادة تكمن في مكان آخر: أنها تعيد طرح هذه الملفات من داخل البيئة التي تشكلت فيها، وتكشف أن الصراع حول طبيعة الحكم في الجزائر لم ينته بانتهاء مرحلة بوتفليقة، بل استمر بأشكال مختلفة داخل مراكز النفوذ نفسها.
وبذلك فإن الزلزال الذي يمكن أن تحدثه هذه التصريحات لا يرتبط فقط بما قاله بن ناصر، وإنما بما تفتحه من أسئلة حول بنية النظام، وآليات انتقال السلطة، وحدود نفوذ المؤسسة العسكرية والعلاقة بين المال والنفوذ ومصير الملفات التي ظلت لسنوات محاطة بالكثير من الغموض.
في انتظار ما إذا كانت هذه الاتهامات ستواجه بتوضيحات رسمية أو تحقيقات مستقلة تكشف حقيقة ما جرى، يبقى الثابت أن الخطاب الرسمي الجزائري يواجه مرة أخرى اختبار المصداقية: هل تستطيع مؤسسات الدولة أن تجيب عن الأسئلة القادمة من داخلها، أم أن الملفات الحساسة ستظل رهينة لصراعات الأجنحة وتسريبات الخارج؟.

