لم يعد التحول الديمغرافي في المغرب مجرد توقعات إحصائية، بل أصبح واقعًا ملموسًا تؤكده الأرقام الرسمية، حيث تتجه المملكة بخطى متسارعة نحو التحول إلى مجتمع مُسنّ، في واحدة من أبرز التحولات السكانية التي يشهدها البلد منذ الاستقلال.
تراجع فئة الشباب وصعود كبار السن
تكشف المعطيات أن نسبة فئة الشباب دون 15 سنة عرفت تراجعًا حادًا خلال العقود الأخيرة، إذ انتقلت من 44.4% سنة 1960 إلى 26.5% سنة 2024، ما يعكس انخفاضًا مستمرًا في قاعدة الهرم السكاني.
في المقابل، سجل عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق ارتفاعًا لافتًا، حيث تضاعف في ظرف عشرين سنة فقط، منتقلاً من 2.3 مليون مسن سنة 2004 إلى حوالي 5 ملايين مسن سنة 2024.
مؤشر الشيخوخة يتضاعف
هذا التحول يظهر بوضوح من خلال مؤشر الشيخوخة، الذي قفز من 26 مسنًا لكل 100 طفل سنة 2004 إلى 52 مسنًا لكل 100 طفل سنة 2024، وهو ما يعني أن المجتمع المغربي بات أقرب إلى التوازن بين فئتي الأطفال والمسنين، بعد أن كان مجتمعًا فتيًا بامتياز.
أسباب بنيوية عميقة
ويرجع الخبراء هذا التحول أساسًا إلى عاملين رئيسيين:
انهيار الخصوبة:
فقد تراجع معدل الإنجاب من 7.2 أطفال لكل امرأة سنة 1962 إلى 1.97 طفل فقط سنة 2024، وهو مستوى يقل عن عتبة تعويض الأجيال.
تأخر سن الزواج:
حيث ارتفع متوسط سن الزواج لدى الرجال من 24 سنة سنة 1960 إلى 32.4 سنة سنة 2024، ولدى النساء من 17.5 سنة إلى 24.6 سنة خلال الفترة نفسها.
تفاوتات جهوية واضحة
ولا تتوزع الشيخوخة بشكل متساوٍ عبر التراب الوطني، إذ تتصدر جهة الشرق قائمة الجهات الأكثر شيخوخة بنسبة 16.1% (الأعلى وطنيًا)، تليها بني ملال–خنيفرة بنسبة 15.2%، ثم فاس–مكناس بـ 14.5%.
في المقابل، تسجل الجهات الجنوبية أدنى نسب الشيخوخة، وعلى رأسها الداخلة–وادي الذهب (4.8%) والعيون–الساقية الحمراء (8.6%)، ما يعكس استمرار طابعها الفتي نسبيًا.
نساء أكثر عددًا بين المسنين
وتبرز المعطيات كذلك بُعدًا نوعيًا مهمًا، إذ تشكل النساء 51.2% من إجمالي المسنين (حوالي 2.57 مليون)، مقابل 48.8% من الرجال (2.45 مليون)، وهو ما يطرح تحديات إضافية مرتبطة بالصحة والحماية الاجتماعية للنساء المسنات.
تحديات اجتماعية واقتصادية قادمة
هذا التحول الديمغرافي يفرض على السياسات العمومية إعادة النظر في نماذج الحماية الاجتماعية، التغطية الصحية، أنظمة التقاعد، وسوق الشغل، إضافة إلى ضرورة الاستثمار في اقتصاد الرعاية والخدمات الموجهة لكبار السن، بدل الاكتفاء بالمعالجات الظرفية.
بين الفرصة والتحدي
وبينما يرى البعض في شيخوخة المجتمع تهديدًا للتوازن الاقتصادي والاجتماعي، يعتبرها آخرون فرصة لإعادة هيكلة النموذج التنموي على أسس جديدة، تقوم على تحسين جودة الحياة بدل التركيز فقط على الكم الديمغرافي.
المغرب على عتبة الشيخوخة الديمغرافية… تحولات صامتة تعيد تشكيل المجتمع
المقالات ذات الصلة
اترك تعليقاً

