تتجه الأنظار، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، إلى دائرة العيون التي ينتظر أن تتحول إلى واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية إثارة للاهتمام على مستوى الأقاليم الجنوبية، في ظل سباق مفتوح على ثلاثة مقاعد برلمانية، ومنافسة تجمع بين أسماء راكمت تجربة انتخابية طويلة وأخرى تسعى إلى قلب موازين القوة.
خصوصية دائرة العيون لا ترتبط فقط بكونها عاصمة الأقاليم الجنوبية، وما تختزنه من رمزية سياسية واقتصادية، وإنما أيضا بطبيعة المشهد الانتخابي فيها، حيث تتداخل الاعتبارات الحزبية مع الامتدادات الاجتماعية والعائلية والقبلية، فضلا عن حضور شخصيات سياسية راكمت حضورا قويا خلال الاستحقاقات السابقة.
وتكشف نتائج انتخابات 2016 و2021 أن دائرة العيون عرفت نوعا من الاستقرار في مراكز الصدارة، مع تسجيل تغير واضح على مستوى المقعد الثالث، وهو ما يجعل انتخابات 2026 مفتوحة على احتمال استمرار التوازنات القائمة أو بروز معادلة انتخابية جديدة.
في انتخابات 2021، تمكن حزب الاستقلال من الحفاظ على موقعه في صدارة الدائرة، بعدما حصد مرشحه مولاي حمدي ولد الرشيد 47548 صوتا، محققا قفزة كبيرة مقارنة بالنتيجة التي سجلها في انتخابات 2016، حين حصل على 26827 صوتا.
وحافظ حزب الأصالة والمعاصرة، بدوره، على أحد المقاعد الثلاثة، بعدما جاء مرشحه سيدي محمد سالم الجماني في المرتبة الثانية بـ17675 صوتا، مقابل 21572 صوتا حصل عليها في انتخابات 2016.
أما المتغير الأبرز في تلك المحطة فتمثل في صعود حزب التجمع الوطني للأحرار وانتزاعه المقعد الثالث، بعدما حصل مرشحه محمد عياش على 8198 صوتا، في وقت فشل فيه حزب العدالة والتنمية في الحفاظ على المقعد الذي كان قد فاز به سنة 2016.
وكان مرشح “البيجيدي” محمد لمين ديدة قد حصل في انتخابات 2021 على 810 أصوات فقط، لتتراجع بذلك حظوظ الحزب بشكل كبير مقارنة بالمحطة السابقة.
وفي انتخابات 2016، كان حزب الاستقلال قد تصدر النتائج بدائرة العيون بواسطة مولاي حمدي ولد الرشيد، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة الذي دفع بسيدي محمد سالم الجماني، ثم حزب العدالة والتنمية الذي تمكن آنذاك من الظفر بالمقعد الثالث عبر مرشحه إبراهيم الضعيف، بينما جاء حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المرتبة الرابعة بواسطة حسن الدرهم.
وبالنظر إلى نتائج المحطتين الانتخابيتين، يتضح أن المعادلة الانتخابية بدائرة العيون ظلت لفترة طويلة مرتبطة بشكل أساسي بوجود أسماء ذات حضور انتخابي واجتماعي قوي، وفي مقدمتها مولاي حمدي ولد الرشيد وسيدي محمد سالم الجماني، في وقت ظل المقعد الثالث أكثر قابلية للتغيير والمنافسة.
هذا المعطى تحديدا يمنح انتخابات 2026 أهمية خاصة، إذ إن الصراع لن يكون فقط حول صدارة النتائج، وإنما أيضا حول هوية الطرف القادر على انتزاع المقعد الثالث، في سباق قد تحدده فروق محدودة في الأصوات.
وتدخل الأحزاب السياسية غمار هذه الانتخابات بأسماء معروفة لدى الناخبين. فقد اختار حزب الاستقلال إعادة تزكية حمدي ولد الرشيد، عضو اللجنة التنفيذية للحزب، لقيادة لائحته بالدائرة، في مسعى للحفاظ على موقع الحزب في الصدارة والاستمرار في معادلة انتخابية ظلت قائمة لسنوات.
بدوره، اختار حزب الأصالة والمعاصرة سيدي محمد سالم الجماني وكيلا للائحته، في محاولة للدفاع عن المقعد الذي ظل مرتبطا باسم الحزب خلال المحطات السابقة.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد قرر بدوره خوض المنافسة بالبرلماني الحالي محمد عياش، واضعا الحفاظ على مقعده ضمن أبرز رهاناته الانتخابية.
في المقابل، يدخل حزب التقدم والاشتراكية المنافسة باسم حسن الدرهم، الذي يعود إلى الواجهة الانتخابية في دائرة العيون، في محاولة لاستعادة موقع كان قد اقترب منه خلال محطات انتخابية سابقة.
كما يسعى حزب العدالة والتنمية إلى إعادة ترتيب أوراقه بالدائرة من خلال ترشيح محمد لمين ديدة، في ظل رغبة الحزب في استعادة المقعد الذي فقده خلال انتخابات 2021.
وبذلك تبدو دائرة العيون أمام مواجهة انتخابية متعددة الأبعاد؛ فالأسماء التي تصدرت المشهد خلال السنوات الماضية لا تزال حاضرة، لكن المنافسة الجديدة قد تفرض حسابات مختلفة، خصوصا إذا نجحت بعض الأحزاب في تعبئة أصوات إضافية أو استقطاب جزء من الكتلة الانتخابية التي لم تكن محسوبة تقليديا على المتنافسين الرئيسيين.
وإذا كان حمدي ولد الرشيد يدخل السباق بأفضلية النتائج السابقة، فإن الجماني وعياش يملكان بدورهما رصيدا انتخابيا يجعلهما طرفين أساسيين في معادلة المقاعد الثلاثة، بينما يراهن حسن الدرهم على خلق اختراق انتخابي قد يعيد رسم خريطة المنافسة، في حين يبقى رهان العدالة والتنمية منصبا بالأساس على استعادة جزء من حضوره السابق.
وعليه، فإن السؤال في دائرة العيون خلال انتخابات 2026 لن يكون فقط: من سيحتل المرتبة الأولى؟ بل سيكون أيضا: هل تستمر الخريطة الانتخابية التي أفرزتها انتخابات 2021، أم أن أحد المنافسين سيتمكن من إحداث المفاجأة وقلب ترتيب المقاعد الثلاثة؟
وفي ظل تقارب الرهانات وتعدد المتنافسين، تبدو الدائرة مفتوحة على سباق انتخابي قد لا تحسم تفاصيله إلا مع ظهور النتائج النهائية، خصوصا أن المقعد الثالث يظل الحلقة الأكثر قابلية لإعادة توزيع موازين القوة.

