تدخل قضية الصحراء المغربية فصلا جديدا مع اقتراب الاستحقاق الأممي المرتقب في أكتوبر المقبل، في ظل مسار دبلوماسي تتبلور ملامحه بصورة مختلفة عن الصيغ التي حكمت تدبير النزاع المفتعل خلال السنوات الماضية، إذ وضع قرار مجلس الأمن رقم 2797 إلى جانب تجديد ولاية بعثة المينورسو مبادرة الحكم الذاتي المغربية في صلب العملية التفاوضية ودعا الأطراف إلى الانخراط في المشاورات على أساسها، ما أضفى على المسار السياسي أرضية تفاوضية أكثر وضوحا وتحديدا من السابق.
وتكتسب هذه الدينامية أهمية أكبر مع استمرار التحرك الأمريكي لدفع العملية السياسية، إلى جانب انخراط المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، في اتصالات إقليمية متواصلة شملت الأطراف والدول المعنية بالنزاع، حيث تحدث في أبريل الماضي عن وجود “زخم حقيقي” وفرصة فعلية لتسوية النزاع، فيما واصلت الأمم المتحدة بتنسيق مع الإدارة الأمريكية اتصالاتها مع الأطراف خلال الأشهر الأخيرة، سعيا إلى تحويل المقتضيات السياسية للقرار الأممي إلى مسار تفاوضي قابل للتنزيل.
وبموازاة ذلك يبدو أن الموقف الأوروبي يتحرك بدوره ضمن هذا الإطار الجديد، وإن بحسابات أكثر حذرا من واشنطن؛ فقد أصبح القرار 2797 مرجعية أساسية في التعاطي الأوروبي مع الملف، فيما تتجه بروكسل إلى التشديد على ضرورة استئناف المفاوضات وتفادي التصعيد، ما يوحي بالانتقال من الاكتفاء بإدارة الموقف إلى مواكبة التحول الذي أفرزه المسار الأممي الجديد.
ولا يعني ذلك أن الحكم الذاتي أصبح تسوية مفروضة أو نتيجة محسومة، بقدر ما أنه اكتسب موقعا أكثر مركزية في هندسة التفاوض الدولي، بحيث أبقى قرار مجلس الأمن على لغة الحل السياسي المتوافق عليه، لكنه جعل المبادرة المغربية أساسا للنقاش، وهو ما يضع الأطراف، ولا سيما الجزائر والبوليساريو، أمام اختبار التعامل مع إطار تفاوضي مختلف عن الصيغ السابقة.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية استحقاق أكتوبر المقبل، إذ سيشكل محطة لقياس قدرة الدينامية التي بدأت مع اعتماد القرار 2797 على الانتقال من الزخم الدبلوماسي إلى تقدم سياسي ملموس. وإذا استمرت التحركات الأمريكية والأممية والأوروبية في الاتجاه نفسه فقد تتشكل تدريجيا بيئة تفاوضية يصبح فيها الحكم الذاتي المحور العملي الوحيد لبناء التسوية المقبلة، مع بقاء مآلات هذا المسار رهينة بمواقف الأطراف الأخرى وقدرتها على تقديم تنازلات متبادلة.
الواقع السياسي
تفاعلا مع الموضوع قال إبراهيم بلالي اسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن اللافت في المرحلة الحالية هو اعتبار الحكم الذاتي المغربي “ليس من الخيارات المطروحة، بل الأساس الواقعي والعملي لأي تسوية سياسية منشودة”؛ وهو ما عبّر عنه قرار مجلس الأمن حول الصحراء رقم 2797، الذي كان مفصليا في تحديد الإطار التفاوضي الذي يمكن، عبر هذه الآلية، أن يكون توافقياً ودائماً، مضيفا أن ذلك “دفع أغلب الدول إلى دعم صريح وعلني للمبادرة المغربية”.
وأضاف اسويح، أن هذا التوجه يُستشف من خلال مضمون البيانات المشتركة بين رئيس الدبلوماسية المغربية ناصر بوريطة ووزراء خارجية هذه الدول، التي تعكس توجها نحو إعادة ترتيب، بل ورسم خارطة أولويات هذه الدول، التي تجعل من التسوية التوافقية والواقعية سبيلا لطي ملف هذا النزاع وإعطاء دفعة جديدة للعلاقات الثنائية مع معظمها.
وأوضح المحلل السياسي ذاته أن ما عجّل بذلك، بحسب تقديره، هو استبعاد الخيارات الأخرى التي أصبحت لا تتجاوب مع المفاهيم ومصالح هذه الدول في النظام العالمي الجديد، خصوصا الشراكات ذات الأبعاد الجيو اقتصادية، والتعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك ما هو أمني وعسكري، مشيرا إلى أن سياسة الانفتاح التي تبنتها الدبلوماسية الملكية خلال العقد الأخير كانت وراء تغير عقيدة هذه الدول تجاه المملكة، التي أثبتت قدرتها على تغيير الجغرافيا الحساسة نحو فضاء للاستقرار والأمن، وهو دور مراهن عليه في منطقة شمال غرب إفريقيا والساحل والصحراء.
ونبه الخبير في النزاع إلى أن أغلب الخطوات التي أقدمت عليها هذه الدول، خصوصا في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير، توحي بأن هناك مسعى إلى تجاوز مرحلة إدارة ملف هذا النزاع الإقليمي المفتعل نحو إعادة تشكيل الواقع السياسي على الأرض بانخراط دولي متزايد.
وأورد عضو الكوركاس أنه كان من المتوقع، بعد إطلاق عملية التفاوض التي ترعاها هذه المرة الولايات المتحدة الأمريكية، أن يتم العمل على بناء الثقة بين الأطراف، عبر الدور الذي قام به مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، الذي عمل من خلال زياراته إلى المنطقة على جلب الأطراف إلى جولات جديدة من المفاوضات، سواء بمدريد أو واشنطن، سعياً إلى إحراز تقدم في العملية السياسية ودعماً لجهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء، ستيفان دي ميستورا، الذي كاد أن يستقيل بعد فشله في تجاوز الجمود الذي كان سببه الرئيسي، وفق المتحدث، “تعنت الجزائر وتشبثها بالخيارات الأخرى التي ثبت أنها غير واقعية سواء من حيث التطبيق أو السياق”.
وبخصوص استمرار الدعم الدولي للمبادرة المغربية أكد إبراهيم بلالي اسويح أن اللافت أيضا هو تزايد واستمرار هذا الدعم في الآونة الأخيرة، كما حدث مع كولومبيا مثلا، معتبراً أن ذلك يؤشر على أن بوصلة المنتظم الدولي تتجه نحو الأفق الذي حدده قرار مجلس الأمن 2797، في ما يتعلق باستبعاد أي خيار غير الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وتابع المتحدث ذاته: “إن هذا الأمر قد يُفسر ضمنياً بأن دعم المقترح المغربي لم يعد بلغة دبلوماسية أو موقف سياسي، بل إن الأمر تجاوز ذلك نحو رهان إستراتيجي تحكمه مصالح هذه الدول”، وهو ما يجعل، في تقديره، من شبه المؤكد أن تحركات وتصريحات المسؤولين، سواء الأمريكيين أو الأمميين، تتجه نحو التشبث بهذا الخيار المغربي كقاعدة تفاوضية.
ولفت الخبير الانتباه إلى أن هندسة قرار مجلس الأمن المقبل حول الصحراء “لن تخرج عن هذا المنحى”، الذي يجعل من ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي مسألة تحظى، في الوقت الراهن، بالإجماع الدولي.
وفي هذا السياق يرى إبراهيم بلالي اسويح أن التطورات المتسارعة في المواقف الدولية لا تعكس مجرد تراكم في الدعم السياسي للمبادرة المغربية، وإنما تؤشر على انتقال تدريجي نحو تثبيت الحكم الذاتي كمرتكز للتفاوض، في سياقات دولية باتت فيها اعتبارات الواقعية السياسية والمصالح الإستراتيجية والشراكات الإقليمية أكثر حضورا في مقاربة النزاع.
مسار تفاوضي
سجل الطالب بويا أباحازم، أحد شيوخ القبائل الصحراوية، أن الحراك الدبلوماسي المتسارع حول قضية الصحراء المغربية يعكس انتقال الملف إلى مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأساسي محاولة إخراج العملية الأممية من حالة الجمود التي طبعت مراحل سابقة، مع بروز دور أمريكي أكثر حضورا في تيسير المفاوضات ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، مضيفا أن “المرحلة المقبلة ستكون محكومة بمدى قدرة هذه التحركات على تحويل التراكم الدبلوماسي إلى مسار تفاوضي فعلي حول خيار الحكم الذاتي الوحيد”.
وأكد أباحازم، أن الجولة الإقليمية الأخيرة التي قام بها ستافان دي ميستورا منتصف شهر يونيو اكتست أهمية خاصة، لاعتبارين اثنين؛ الأول لأنها تأتي في سياق مواصلة المشاورات مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، والثاني لكونها تسبق الإحاطة التي سيقدمها أمام مجلس الأمن في أكتوبر المقبل، وهو ما يجعل نتائج اتصالاته المقبلة جزءا من المعطيات التي ستؤطر النقاش الأممي بشأن المرحلة التالية من العملية السياسية، وتمكنه من استطلاع مواقف الأطراف المعنية وقياس مدى استعدادها للتفاعل مع قواعد التفاوض الجديدة.
وأوضح نائب رئيس الاتحاد الدولي لدعم الحكم الذاتي أن حضور الولايات المتحدة في هذه المرحلة يضيف عنصرا فاعلا إلى المعادلة التفاوضية، خصوصا أن المسار أصبح يقوم على تنسيق واضح بين الأمم المتحدة وواشنطن، وهو ما يمنح التحركات التي يقودها دي ميستورا زخماً سياسياً مختلفاً.
واستدرك المتحدث ذاته بأن الدور الأمريكي، إلى جانب الجهود الأممية، يمكن أن يساهم في تجاوز حالة الانتظار التي ظلت تطبع الملف، والانتقال من إدارة الخلافات حول طبيعة الحل إلى البحث الجدي عن صيغة سياسية جديدة داعمة لمقترح الحكم الذاتي قابلة للتطبيق وتحظى بالقبول.
وأورد المتخصص في مجال سوسيولوجيا التنمية أن التطورات الدولية المحيطة بالملف لا يمكن فصلها عن التحولات التي عرفتها مواقف عدد متزايد من الدول تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية، مبرزا أن النقاش لم يعد يدور فقط حول المواقف الدبلوماسية المعلنة، وإنما بات مرتبطا أكثر بحسابات تتصل بالاستقرار الإقليمي والأمن والشراكات الاقتصادية وموقع المغرب داخل منظومة التعاون بين أوروبا وإفريقيا ومنطقة الساحل، مشددا على أن هذا التحول في مقاربة عدد من العواصم يفسر جانبا من الزخم الذي تعرفه القضية، ويجعل أي مسار تفاوضي مقبل محكوما بوقائع سياسية وجيوسياسية جديدة.
وفي قراءة منه للمسار السياسي الجديد أكد الشيخ الصحراوي أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 يمثل محطة أساسية في فهم التحول الذي يعرفه الملف، باعتباره وضع العملية السياسية داخل إطار تفاوضي أكثر وضوحا، وجعل الواقعية والتوافق من المفاهيم المركزية في البحث عن تسوية قابلة للاستمرار.
وأضاف المتحدث أن أهمية المرحلة الحالية تكمن في اختبار قدرة المبعوث الأممي والأطراف المعنية على ترجمة هذا الإطار إلى مفاوضات حقيقية، بدل العودة إلى منطق تبادل المواقف الذي استنفد الكثير من الوقت دون أن يقود إلى اختراق سياسي حازم.
وكشف أباحازم أن التحركات المنتظرة لدي ميستورا، بما فيها اتصالاته بمختلف الأطراف والفاعلين الإقليميين، ستسمح بتكوين صورة أكثر وضوحا حول مواقف كل طرف قبيل محطة أكتوبر، خصوصا في ظل التنسيق القائم مع الولايات المتحدة، مؤكدا أن قيمة المحادثات المقبلة على مستوى وزراء الخارجية ستقاس بقدرتها على تهيئة الأرضية لاستئناف الحوار المباشر، وبمدى استعداد الأطراف للانتقال من تثبيت المواقف إلى البحث عن مساحات مشتركة يمكن أن تشكل مدخلا حقيقيا لتسوية سياسية.
وفي هذا الصدد سجل الطالب بويا أباحازم أن قضية الصحراء المغربية تقف اليوم أمام اختبار مختلف، بعدما تراكمت عناصر سياسية ودبلوماسية تجعل من الصعب العودة إلى المقاربات السابقة، موضحا أن المحادثات المقبلة التي سيدشنها ستافان دي ميستورا بتنسيق مع الإدارة الأمريكية، ثم إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي في أكتوبر، تشكلان محطتين أساسيتين لقياس اتجاه المسار.
وأجمل المتحدث بأن نجاح هذه الدينامية سيظل رهينا بقدرة الأطراف على التقاط التحول الجاري والتعامل معه بمنطق التفاوض، في وقت أصبح الرهان الدولي منصبا بصورة متزايدة على الوصول إلى حل سياسي واقعي وتوافقي ودائم.

