في مشهد يبدو للوهلة الأولى سورياليًا، تخرج الجماهير الجزائرية إلى الشوارع في احتفال صاخب، تُرفع فيه الأعلام وتتعالى الهتافات، لا ابتهاجًا بانتصار منتخبها الوطني، ولا احتفاءً بإنجاز يخصها، بل احتفالًا بهزيمة المنتخب المغربي. الفرح هنا لا ينبع مما تحقق في الداخل، بل مما تعثر في الخارج. إنه احتفال بلا إنجاز، ونشوة بلا فاعل ذاتي، وكأن خسارة الآخر تمنح الجماعة لحظة امتلاء رمزي تعجز الوقائع المحلية عن توفيرها. هذا المشهد، في كثافته الرمزية، لا يمكن اختزاله في رد فعل رياضي عابر، بل يطرح سؤالًا أعمق: ما الذي يدفع مجتمعا إلى تحويل فشل غيره إلى مناسبة فرح جماعي؟ وما الذي يخفيه هذا السلوك من اختلالات داخلية؟
لفهم هذه الظاهرة، لا يكفي الاكتفاء بتفسيرات انفعالية أو أخلاقية، بل يتطلب الأمر مقاربة تحليلية تتجاوز الحدث إلى البنى النفسية والسياسية التي تُنتجه. فمنذ عقود، لم يعد ممكنًا تحليل بعض الديناميات السياسية المعاصرة بالاعتماد الحصري على المقاربات الكلاسيكية التي تركز على البنى الدستورية أو المؤشرات الاقتصادية أو توازنات القوة الظاهرة، دون استحضار الأبعاد النفسية والرمزية التي تسهم في تشكيل السلوك السياسي فرديًا وجماعيًا. في هذا السياق، تبرز المقاربة السيكو-سياسية (Political Psychology / Psychopolitics) بوصفها حقلاً معرفيًا عابرًا للتخصصات، يتقاطع فيه علم النفس، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، لفهم منطق الفعل السياسي حين يتجاوز الحساب العقلاني للمصالح نحو أنماط إدراكية وانفعالية أكثر تعقيدًا.
تنطلق هذه المقاربة من فرضية مفادها أن الدولة، باعتبارها فاعلًا سياسيًا، لا تُختزل في أجهزتها ومؤسساتها، بل تعكس أيضًا بنية نفسية جماعية تتغذى من الذاكرة التاريخية، والهوية، وتجارب النجاح أو الإخفاق المتراكمة. وقد ساهم في تأصيل هذا المنظور مفكرون وباحثون مثل فرويد في تحليله لسيكولوجيا الجماهير، ولاسويل في ربط السلطة بالدوافع النفسية، وفستنغر من خلال مفهوم التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)، إضافة إلى تاجفيل في تفسيره لمنطق الهوية الجماعية، وفوكو في تحليله لعلاقة السلطة بالخطاب.

