أجرى وزير الشؤون الخارجية الجزائري محادثات رسمية مع نظيره البرتغالي الذي حل بالجزائر في زيارة رسمية شملت لقاءً ثنائيا مغلقا أعقبه اجتماع موسع ضم وفدي البلدين، وذلك في سياق استعراض علاقات التعاون الثنائية وآفاق تطويرها، بالتزامن مع إحياء الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والبرتغال.
ووفق ما أعلنته وزارة الخارجية الجزائرية تناولت المباحثات مختلف أوجه التعاون السياسي والاقتصادي، إلى جانب التحضير لعقد الاجتماع السادس للجنة العليا الجزائرية البرتغالية رفيعة المستوى. كما شكل اللقاء مناسبة لتبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، من بينها تطورات القضية الفلسطينية، والأوضاع في منطقة الساحل، وقضية الصحراء، إضافة إلى آفاق الشراكة الأورو متوسطية.
غير أن إدراج ملف الصحراء المغربية ضمن جدول هذه المباحثات، دون صدور أي إعلان عن تحول في موقف لشبونة، دفع متابعين إلى قراءة هذا اللقاء باعتباره تحركا دبلوماسيا جزائريا يرمي إلى محاولة استمالة البرتغال، وحثها على مراجعة موقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، خاصة في ظل الزخم الأوروبي المتزايد المؤيد للمقترح المغربي عقب انعقاد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية.
يأتي هذا التحرك في سياق إقليمي ودولي يشهد تقاربا أوروبيا متقدما مع الطرح المغربي، وهو ما تعتبره الجزائر تحديا دبلوماسيا مباشرا، يدفعها إلى تكثيف تحركاتها تجاه عدد من العواصم الأوروبية، في مسعى لإعادة إحياء الأطروحة الانفصالية داخل الفضاء الأوروبي، رغم تراجع صداها على المستوى الدولي.
وفي هذا الإطار تبرز البرتغال كإحدى الدول التي سبق أن حسمت موقفها بشكل واضح، إذ أعلنت، خلال زيارة وزير الشؤون الخارجية المغربي إلى لشبونة في يوليوز 2025، دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء في إطار الأمم المتحدة. كما شدد البيان المشترك الصادر حينها على إدراك البرتغال للأهمية الخاصة التي تحظى بها هذه القضية لدى المغرب، وعلى دعمها للجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها، مع التأكيد على الالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
يرى متابعون للشأن الدبلوماسي أن إدراج الجزائر لقضية الصحراء ضمن محادثات ثنائية مع دولة أوروبية شريكة للمغرب يطرح تساؤلات حول الخطاب الجزائري الرسمي، الذي يؤكد في كل مناسبة عدم تحمل أي صفة أو مسؤولية في هذا النزاع. ويعتبرون أن هذا السلوك يعكس محاولة للتشويش على المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى باعتراف دولي واسع باعتبارها الحل الواقعي والجدي للنزاع.
كما يذهب محللون إلى أن هذا التحرك يندرج ضمن مسع جزائرية للتأثير على الدينامية الجديدة التي تعرفها العلاقات المغربية الأوروبية، خصوصا بعد الاتفاقات الأخيرة التي شملت منتجات الأقاليم الجنوبية للمملكة، في خطوة اعتبرت تأكيدا عمليا للاعتراف الأوروبي بسيادة المغرب على صحرائه.
ويؤكد مهتمون بالملف أن اختيار البرتغال في هذا السياق لم يكن عشوائيا، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الإستراتيجية العميقة التي تربطها بالمغرب، سواء على المستويات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية والثقافية، فضلا عن الشراكة المتقدمة بين البلدين، التي تجسدت بشكل لافت في التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا، في إطار يقوم على الثقة والانسجام المتبادلين.
ويجمع مراقبون على أن إقحام الجزائر لقضية الصحراء في محادثات مع شركاء أوروبيين للمغرب يعكس محدودية الخيارات الدبلوماسية المتاحة أمامها، في ظل وعي متزايد داخل الاتحاد الأوروبي بخلفيات هذا النزاع ودور الجزائر في استمراره. كما يشيرون إلى أن هذه المحاولات لم تنجح في التأثير على مواقف القوى الدولية ذات الوزن، التي باتت تنسجم في مجملها مع المرجعية الأممية الداعمة للحل السياسي تحت السيادة المغربية.
وفي مقابل ذلك تواصل الدبلوماسية المغربية حصد المزيد من التأييد الدولي، مستندة إلى الزخم الذي كرسه القرار الأممي الأخير، والدعم الأمريكي الصريح، إلى جانب تنامي القناعة الأوروبية بجدية وواقعية مبادرة الحكم الذاتي، وهو ما يكرس عزلة الطرح الجزائري ويحد من قدرته على التأثير في مسار هذا الملف على الصعيدين الإقليمي والدول

