شكل اللقاء الثقافي الذي احتضنه مقر حزب الحركة الشعبية بالرباط، مساء اليوم الخميس، في إطار الاحتفاء بحلول السنة الأمازيغية الجديدة 2976، محطةً للوقوف عند الدلالات التي يكتسيها هذا الموعد الوطني المرسّم بقرار ملكي قبل نحو ثلاث سنوات، وعلاقته المباشرة بنمط عيش الإنسان المغربي وبقضايا التنمية.
وقال محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، بحضور قيادات حزبية وديناميات جمعوية وحقوقية، إن “هذا الموعد السنوي يشكل أحد مداخل تعزيز اللّحمة الوطنية والتصالح مع الذات، ووقف التقزيم الإعلامي للتاريخ المغربي في 12 قرنا فقط”.
وأوضح أوزين، في كلمته بالمناسبة، أن “الدعوات إلى الاعتراف الرسمي برأس السنة الأمازيغية بالمغرب، قبل سنوات، لم تكن أبدا تروم ترسيم الاحتفال فقط بمنطق فلكلوري، وإنما كانت تنشد إعادة النظر في مجموعة من التصورات السائدة حول الأمازيغية كلغة وثقافة ومنظومة لتدبير العيش المشترك”.
أمازيغية التنمية
المسؤول الحزبي ذاته أفاد بأن “القرار الملكي بجعل رأس السنة الأمازيغية عطلة مؤدى عنها يسعى أيضا إلى تصحيح التاريخ وكل النمطيات السائدة لمدة زمنية طويلة”، مردفا: “صعب جدا أيضا أن نختزل الأمازيغية في لغة للتواصل وحرف تيفيناغ فقط، لأنها تعبّر كذلك عن مجالات ترابية تعاني من التهميش”.
وأكد المتحدث “ضرورة التأسيس لأمازيغية التنمية والخبز، مادام أن ترسيمها الدستوري كان يسعى إلى جعلها إحدى رافعات للتنمية بالمملكة”، متأسّفا لـ”حالات ووضعيات تكون فيها اللغة الأمازيغية موضوعا لفعل الترجمة، رغم أنها لغة الأرض وأهلها، وليست اختيارية”.
وواصل شارحا: “في ظل هذه الوضعية، يتعين التأكيد على ربط الأمازيغية بالتنمية، وربطها أيضا بتطوير التعليم. ولهذا السبب نستحضر أولوية تعميم تدريس هذه اللغة الدستورية بالمدارس المغربية، باعتباره ورشا لم يعد قابلا لمزيد من التأجيل”.
ارتباط هوياتي بالأرض
من جهته، اختار أحمد عصيد، الكاتب والباحث في الثقافة الأمازيغية، الحديث عن الدلالات والعبر التي ينطوي عليها الاحتفال برأس السنة الجديدة 2976؛ قائلا: “لهذا الموعد الثقافي الوطني دلالتان رمزيتان رئيسيتان يجري الجمع بينهما بشكل اعتباطي وموضوعاتي”.
وذكر عصيد، خلال كلمته، أن “إيمازيغن يستمدون هويتهم من الأرض، بخلاف الهويات الأجنبية المرتبطة بأراضٍ وجغرافياتٍ أخرى، والتي يحاول كثيرون استيرادها وإسقاطها على مجتمع مغربي حيّ بهويته الأصلية”، موضحا أن “يض يْنّاير” يرمز إلى العراقة التاريخية ويذكّرنا دائما بضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية”.
وأضاف: “يذكّرنا هذا الاحتفال بارتباطنا التاريخي والمصيري بالأرض، لأننا بدون موارد طبيعية لا نساوي شيئا. ولذلك، فإن الاحتفاء بالسنة الجديدة بالبوادي المغربية دائما ما كان يستحضر كل المخلوقات المرتبطة بمحيط عيش الإنسان المغربي”.
إعادة كتابة التاريخ
في سياق ذي صلة، شدّد الباحث ذاته على “الحاجة الملحة لبناء إيديولوجية مغربية، دولة ومجتمعا ونخبا، وإلى إعادة تأسيس معنى الوطنية ومعنى أن يكون المرء من مغاربة اليوم، مادام أننا عاصرنا توجّها نحو بناء نموذجنا التعليمي والإعلامي على تراث الأجانب وهويتهم؛ مما تسبّب في إضعاف اعتزاز الشخص المغربي بهويته في مقابل اعتزازه بهويات الآخرين”.
كما أكد على “إعادة كتابة تاريخ المغرب، بمبرر أن السردية التاريخية السائدة منذ 1930 كانت مُصاغة بعيون أجنبية، وجعلت المغرب دائما في موقع ضعف”، موردا: “لقد صار اليوم مرشّحا للتعامل بندّية مع أيّ كان، وقد اتضح ذلك جليا في كأس العالم الأخيرة”.
ولم يتوقف المتحدث عند هذا الحد، بل ربط احتفالات السنة الجديدة 2976 بتنظيم المملكة الدورة الخامسة والثلاثين لكأس أمم إفريقيا لكرة القدم، حيث وصف الحدث بـ”المناسبة العظيمة التي أعادت إبراز العلاقات التاريخية للمغرب بعمقه الإفريقي”.
وختم عصيد كلمته بإبداء أسفه بخصوص ما اعتبره استخفافا بقرارات الدولة في مجال ترسيم اللغة الأمازيغية، بمبرر “وجود مجموعة من القطاعات الحكومية التي تواصل الاستخفاف بالقانون التنظيمي رقم 26.16″، منتقدا “سياسة تدشين المقرات والبنايات الجديدة بدون أي تشوير بالأمازيغية، ناهيك عن التأخر المسجّل في تعميم هذه اللغة بالمدارس العمومية”.

