أدانت الأمم المتحدة وجهات عربية وأوروبية ما وصفته بعض المنظمات الحقوقية بأنه “استيلاء ضخم على أراضي” الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة من شأنه تسريع عملية ضمها، بعد بدء إسرائيل عملية تسجيل الأراضي وتسوية ملكيتها في أول خطوة من نوعها منذ عام 1967.
وجاءت هذه الخطوة بعد أسبوع من إقرار الدولة العبرية إجراءات تسهل شراء اليهود الأراضي في الضفة، وتلغي قانونا قديما يحظر عليهم ذلك.
ودافعت وزارة الخارجية الإسرائيلية في منشور على “إكس” عن الإجراءات التي أُقرت أول أمس الأحد، مشددة على أنها تهدف إلى “تنظيم إجراءات تسجيل العقارات” و”حل النزاعات القانونية”، وبررت هذه الإجراءات باتهام السلطة الفلسطينية باتباع “إجراءات تسجيل غير قانونية للأراضي” في مناطق يُفترض أن تكون تابعة لسلطة إسرائيل، وفقا لاتفاق أوسلو في تسعينيات القرن العشرين.
وطالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إسرائيل بـ”التراجع فورا” عن الخطوة، قائلا إن “إجراءات مماثلة، بما فيها استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا تُزعزع الاستقرار فحسب، بل هي أيضا، كما أكدت محكمة العدل الدولية، غير قانونية”، وفق بيان أصدره المتحدث باسمه.
ونددت السلطة الفلسطينية والأردن ومصر وقطر باعتماد حكومة إسرائيل تلك الإجراءات التي ترمي إلى تعميق سيطرتها على الضفة الغربية.
وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين في السلطة الفلسطينية “بأشد العبارات هذا القرار”، ورفضت “أي محاولة .. لتحويل أراضي الضفة الغربية المحتلة إلى ما تُسمّى ‘أملاك دولة’ تابعة لسلطة الاحتلال”، ووصفت هذا الإجراء بأنه “باطل ولاغٍ قانونا، ويشكل بداية فعلية لمسار الضم وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية”.
في عمّان حذر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من أن هذه الإجراءات “تقوض جهود التهدئة وتنذر بتفاقم الصراع” الفلسطيني الإسرائيلي، بُعيد اعتبار الخارجية الأردنية أن الخطوة الإسرائيلية “انتهاك صارخ للقانون الدولي” وتأكيدها أنه “لا سيادة لإسرائيل على الضفة الغربية المحتلة”.
كذلك أدانت الحكومة المصرية هذه الخطوة التي “تمثل تصعيدا خطيرا يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية”، ويعد “انتهاكا صارخا” للمعاهدات الدولية.
أما وزارة الخارجية القطرية فشجبت القرار وعَدّته “امتدادا لمخططات (إسرائيل) غير القانونية لسلب حقوق الشعب الفلسطيني”.
من جهتها أعربت وزارة الخارجية السعودية عن إدانتها القرار الذي يهدف إلى “فرض واقع قانوني وإداري جديد في الضفة الغربية المحتلة، وتقوض الجهود الجارية لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة”.
وفي أوروبا دعا الاتحاد الأوروبي إسرائيل إلى التراجع عن إجراءاتها. وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العنوني إن القرار الإسرائيلي “يشكل تصعيدا جديدا. … نذكّر بأن ضم (الضفة الغربية) غير قانوني من منظار القانون الدولي. ندعو إسرائيل إلى العودة عن هذا القرار”.
ضخامة الاستيلاء
اعتبرت منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية المناهضة للاستيطان أن الإجراء الذي أُقر الأحد يمثل “استيلاءً ضخما على الأراضي”.
وقال جوناثان مزراحي، أحد مدراء المنظمة، لوكالة فرانس برس، إن القرار سيخصص موارد جديدة لتسجيل الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، وأوضح أن العملية ستجري فقط في المنطقة المصنفة “ج” وفق اتفاقية أوسلو، التي تشكل نحو 60 بالمائة من مساحة الضفة الغربية، وتخضع لسيطرة إسرائيل أمنيا وإداريا.
وأضاف المتحدث: “كان هناك الكثير من الغموض بشأن الأراضي. وقررت إسرائيل الآن التعامل مع الأمر”، مشيرا إلى أن الغموض القائم حول ملكية الأراضي في المنطقة “ج” من المرجح أن يُستخدم ضد الفلسطينيين.
وبحسب مزراحي فإن “الكثير من الأراضي التي يعتبرها الفلسطينيون ملكا لهم سيكتشفون أنها ليست كذلك بموجب عملية التسجيل الجديدة”، معتبرا أن الخطوة ستعزز أجندة اليمين الإسرائيلي لضمّ الأراضي.
التركيبة الديموغرافية
تتضمن الإجراءات الجديدة التي أقرتها إسرائيل الأسبوع الماضي نقل سلطة إصدار تراخيص البناء للمستوطنات في أجزاء من المدن الفلسطينية، من بينها الخليل، من الهيئات البلدية التابعة للسلطة الفلسطينية إلى إسرائيل.
وتأتي التحركات الإسرائيلية الأخيرة وسط تصاعد في هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك مؤخرا في بيان: “نشهد خطوات متسارعة لتغيير التركيبة الديموغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل دائم، وتجريد سكانها من أراضيهم وإجبارهم على الرحيل”.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعرب عن معارضته ضم إسرائيل الضفة الغربية، قائلا إن الاستقرار في الأراضي يساعد في الحفاظ على أمن إسرائيل.
إلا أن ترامب أحجم عن توجيه انتقاد مباشر للإجراءات الإسرائيلية الأخيرة رغم موجة الغضب الدولي المستمرة.
ومنذ عام 1967 تواصَل النشاط الاستيطاني في ظل جميع الحكومات الإسرائيلية، اليمينية منها واليسارية، وازداد بشكل ملحوظ في ظل الإدارة الحالية، ولا سيما منذ بدء حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، بعد الهجوم غير المسبوق الذي شنته حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل.
وتحتل إسرائيل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية منذ العام 1967.
وباستثناء القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل يعيش في أنحاء الضفة الغربية ثلاثة ملايين فلسطيني وأكثر من 500 ألف إسرائيلي في مستوطنات وبؤر استيطانية تعتبرها الأمم المتحدة غير قانونية بموجب القانون الدولي.

