في سياق قاري يشهد استمرار التوترات الأمنية والسياسية تبرز بطولة كأس أمم إفريقيا المقامة بالمغرب كلحظة رياضية لتعزيز التلاحم والسلام بين شعوب القارة السمراء.
وأكد خبراء في مجال العلاقات الدولية أن نسخة هذه البطولة بالمغرب تأتي في لحظة حساسة، لتجمع بين الشعوب الإفريقية في جو من التسامح والتلاحم.
وقال محمد نشطاوي، خبير في مجال العلاقات الدولية، إن “كرة القدم لطالما كانت حمالة أوجه متعددة، فقد تكون سبباً في اندلاع النزاعات كما حدث تاريخياً أو رسالة للإخاء والشراكة والمحبة”.
وأضاف نشطاوي أن “الروح الرياضية تعد عنصراً ملازماً للمنافسات لتعزيز قيم التقارب بين الشعوب، فيما تعد كأس إفريقيا التي ينظمها المغرب فرصة لتجسيد السياسة المغربية الهادئة والرائدة في القارة لنشر مبادئ السلام والأمن، على اعتبار أن المغرب كان دائماً أرضاً للملتقيات الرياضية والسياسية والوساطات والتعاون، حاملاً شعار ‘رابح-رابح’ والاستثمار المفيد للقارة”.
وتابع المتحدث ذاته: “تعتبر الرياضة قوة ناعمة تجعل من كرة القدم وسيلة للتآخي وتجاوز الصراعات، وهذا هو الجوهر الذي أُسست من أجله هذه المنافسات. وقد أثبتت تجارب سابقة، مثل كأس العرب، قدرة الرياضة على تقريب الشعوب وتمرير رسائل هامة لتجاوز الخلافات السياسية”.
ويجب أن تظل الرياضة، وكرة القدم تحديداً، “وسيلة لتفادي النزاعات، وتصريف طاقات الجماهير في منافسة شريفة تتجه نحو المستقبل، حيث الهدف الأسمى هو قبول النتائج بروح رياضية، بعيداً عن محاولات بعض الأطراف استخدامها غطاءً لخطابات عدائية أو تضليل شعوبها”، وفق الخبير نفسه.
وشدد نشطاوي على أن “الغرض من المنافسات الرياضية، منذ عهد الألعاب الأولمبية القديمة، هو تناسي الخلافات الطبقية والسياسية وتمرير مبادئ الإخاء والتعاون، حيث تهدف المنافسة الحرة أساساً إلى بناء جسور التواصل بين الأمم وتعزيز قيم السلام العالمي بين مختلف المكونات”.
من جهته أورد عباس الوردي، محلل سياسي أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “الدبلوماسية الكروية تؤدي اليوم أدواراً إستراتيجية كبرى في بناء التوجهات بين الدول، خاصة في ما يتعلق بتلاقح الثقافات وتوسيع معرفة الشعوب الإفريقية بعادات وتقاليد بعضها البعض؛ كما تساهم في خلق بنية للنقاش التفاعلي عبر بوابة الملاعب والأحداث والأنشطة الكروية المختلفة”.
وأضاف الوردي أن كأس أمم إفريقيا “تعتبر محطة أساسية لخلق مناخ مواتٍ للدبلوماسية الإفريقية، خاصة أن تنظيمها في المغرب له خصوصية كبيرة، نظراً للإجماع الذي يحظى به كدولة تساهم في نهضة القارة، إذ يعد أساساً لتجسيد الرؤى الأمنية والاقتصادية والسياسية والبنيوية في إطار التوجهات الحديثة لإنصاف إفريقيا”.
وتابع المحلل ذاته: “تعمل المملكة المغربية من داخل الاتحاد الإفريقي كطرف أساسي إلى جانب الفرقاء في الترافع عن القضايا الإفريقية ومواجهة التطرف والإرهاب والجريمة العابرة للحدود ومناهضة الانفصال. ويعكس حضور الدول الإفريقية في هذا الحفل الكروي انفتاح المغرب واحترامه للقوانين المعمول بها داخل ‘الكاف’”.
وشدد المتحدث على أن هذا العرس الكروي “يعد محطة إجماع لإفريقيا لطي الخلافات والحديث بصوت مرتفع حول حقوق القارة، بمشاركة فاعلة من الحلقات الشبابية والوسائط التكنولوجية؛ كما يجسد روح الأخوة بين الشعوب المغاربية والإفريقية”، مؤكداً في الوقت عينه أن “الوحدة هي الأساس لخلق الفارق التنموي والسياسي الذي تراهن عليه القارة”.

