بدد ملتقى مجلس الاشتراكية الأممية، المنعقد نهاية الأسبوع الماضي بمالطا، وهم “التمثيلية الشرعية” الذي روجت له البوليساريو الانفصالية لعقود، بعدما حضرت حركة “صحراويون من أجل السلام” جنبا إلى جنب مع الجبهة داخل الاجتماعات نفسها، كما ظهر قائد الحركة، الحاج أحمد باريكالى، في لقاءات مباشرة مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يقود دينامية سياسية مرتبطة بالنزاع.
وأظهرت مشاركة الطرفين داخل الفضاء نفسه أن مقولة “الممثل الشرعي والوحيد”، التي اعتمدتها البوليساريو لأكثر من خمسة عقود، لم تعد تعكس واقع المجتمع الصحراوي، خاصة مع حضور فاعلين سياسيين آخرين يعبرون عن خيارات مختلفة داخل النسيج الاجتماعي بالأقاليم الجنوبية.
وخلال الاجتماع، أكدت الحركة أن وجودها يعبر عن تعدد سياسي قائم بالفعل داخل المجتمع الصحراوي، وأن المرحلة الحالية تستلزم الاعتراف بهذا التنوع في أي مقاربة تتعلق بالمنطقة، كما شددت على أن “المجتمع الصحراوي لا يمكن اختزاله في جهة واحدة، وأن النقاش اليوم يتجه نحو حلول واقعية تستوعب مختلف مكوناته”.
وأفادت مصادر حضرت الاجتماع بأن لقاءات قائد الحركة مع سانشيز، الذي يعترف بوجاهة الحكم الذاتي المغربي، إلى جانب مشاركة وفدها في مختلف الجلسات، عززت الانطباع بأن التمثيل لم يعد أحاديا، وأن الواقع السياسي يتجه تدريجيا نحو تعدد أوسع يعكس التحولات التي يعرفها المجتمع الصحراوي.
في هذا الصدد، قال أحمد باريكلي، السكرتير الأول لحركة “صحراويون من أجل السلام”، إن مشاركة الحركة إلى جانب وفد جبهة البوليساريو في اجتماعات مجلس الاشتراكية الدولية “تشكل خطوة أساسية نحو كسر ادعاء الحصرية التمثيلية الذي تبنّته الجبهة طوال العقود الماضية”.
وأوضح باريكلي، أن هذه هي المشاركة الثانية للحركة منذ اعتمادها عضوا ملاحظا داخل المنظمة، مضيفا أن الحضور الفعّال لوفد الحركة “أتاح للمجتمع الدولي معاينة واقع أن البوليساريو ليست الصوت الوحيد للصحراويين، وأن هناك أطرافا أخرى تعتمد مقاربة سلمية وتستحق أن يُستمع إليها”.
وأضاف المسؤول ذاته أن مشاركة الحركة “لن تقف عند حدود هذا الاجتماع”، مؤكدا أن “برنامجا من اللقاءات سيكون متواصلا خلال الأيام المقبلة مع عدد من الفاعلين الحزبيين والدوليين، بهدف ترسيخ موقع الحركة كمخاطب سياسي جديد داخل الساحة الصحراوية والإقليمية والدولية”.
وفي رده على سؤال يتعلق بطبيعة النقاشات التي جمعته برئيس الوزراء الإسباني رئيس الحزب الاشتراكي العمالي، بيدرو سانشيز، أوضح باريكلي أن المشاورات “همّت جدول أعمال مجلس الأممية الاشتراكية الدولية وتطورات الوضع السياسي عالميا وفي منطقة المغرب العربي”، مبرزا أن “سانشيز منفتح على كل المكونات المشاركة في المجلس بحكم موقع حزبه داخله”.
ولفت باريكلي الانتباه إلى أن غياب أي تواصل بين سانشيز ووفد البوليساريو “مرتبط بموقف الجبهة نفسها”، قائلا إن قيادييها “أبدوا امتعاضا واضحا من حضور الحركة في هذا الملتقى، كما أنهم يواصلون انتقاد رئيس الحكومة الإسبانية فيما يتعلق بملف الصحراء؛ وهو ما يجعل اللقاء معه أمرا حساسا بالنسبة إليهم”.
وأكمل قائد خطاب السلام في الصحراء تصريحه بالتأكيد على أن الرسالة الأساسية التي تريد الحركة إيصالها من خلال حضورها المتزايد في المحافل الدولية، هي أن “البوليساريو ليست الطرف الوحيد في الساحة السياسية الصحراوية”، داعيا إلى إشراك الحركة في كل المشاورات التي ستشرف عليها الأمم المتحدة خلال المرحلة المقبلة “حتى يُستمع إلى مختلف الآراء الباحثة عن حل سلمي وواقعي للنزاع”.
من جانبه، سجل السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن مشاركة الحركة في أشغال مجلس الأممية الاشتراكية الدولية “تشكل منعطفا نوعيا في مسار قضية الصحراء، خصوصا فيما يتعلق بالدعاية التي روّجت لها البوليساريو طيلة أكثر من خمسة عقود بشأن التمثيل الوحيد والشرعي للصحراويين”.
وأضاف رحال، أن حضور وفد الحركة جنبا إلى جنب مع وفد الجبهة “أثار تساؤلات واسعة داخل الوفود الدولية المشاركة حول حقيقة التمثيل داخل المجتمع الصحراوي، وحول مدى صحة الادعاء باحتكار القرار والتحدث باسم الجميع”.
وأورد المتحدث ذاته أن البوليساريو “استفادت لسنوات من فراغ سياسي حال دون بروز أصوات صحراوية أخرى”، قبل أن يبرز اليوم واقع مختلف “تتراجع فيه تلك الدعاية أمام خطاب جديد تتبناه الحركة، يقوم على السلم والتفاوض، وينسجم مع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل عملي للنزاع”.
وتابع قائلا: “إن مشاركة الحركة في مالطا مثّلت فرصة مهمة للتواصل مع تيارات تقدمية كانت تاريخيا قريبة من أطروحة الجبهة”، مبرزا أن “وفد الحركة قدّم خلال اللقاءات الجانبية خارطة الطريق السياسية التي تعتمدها، والتي تتقاطع في مستويات عدة مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي”.
ونبّه المصرح إلى أن البوليساريو “أصبحت تدرك اليوم أنها لم تعد اللاعب الوحيد في الساحة السياسية والجغرافية المرتبطة بالصحراء”، مؤكدا أن الأمم المتحدة والفاعلين الدوليين “مطالبون بإشراك الحركة في أي مشاورات مستقبلية تتعلق بالملف، نظرا لامتلاكها رؤية للحل تختلف جذريا عن مقاربة الجبهة”، موردا أن وفد البوليساريو “لم يتجاوب مع دعوات الحركة للحوار خلال أشغال المجلس، وفضل الانشغال بنقاشات جانبية مع وفد حزب الاتحاد الاشتراكي، رغم تقديمه أمام الصحراويين باعتباره خصما؛ في حين لم يجرؤ ممثلو الجبهة على مواجهة أبناء عمومتهم، لأنهم يدركون أن روايتهم لن تصمد أمام من يعرف تفاصيل الواقع”.
وخلص الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام” إلى أن المشاركة في مالطا “كانت مثمرة على أكثر من مستوى”، مشيرا إلى أنها فتحت الباب أمام تواصل أوسع مع أحزاب سياسية تقدمية حول العالم، “في مسار ستعززه الحركة خلال المرحلة المقبلة لإيصال صوتها وترسيخ حضورها كفاعل سياسي يخاطب المجتمع الدولي بوضوح ومسؤولية”.

