تشهد الحدود الشمالية لموريتانيا في الآونة الأخيرة، تصاعدا مقلقا في وتيرة التوترات الأمنية، على خلفية هجمات متزايدة تنسب إلى عناصر من جبهة البوليساريو استهدفت باحثين عن الذهب في مناطق التعدين القريبة من الشريط الحدودي، تطور يعكس وفق تقارير إعلامية محلية، تحولا نوعيا في طبيعة التهديدات، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الإجراءات الأمنية القائمة على احتواء وضع يصفه مراقبون بأنه «يزداد خطورة».
بحسب معطيات متطابقة، فإن الأشهر الأخيرة سجلت ارتفاعا ملحوظا في الاعتداءات المسلحة ضد المنقبين التقليديين عن الذهب، رغم تعزيز الجيش الموريتاني انتشاره على طول الحدود منذ سنوات، وإغلاقه لمسالك اعتبرت لفترة طويلة نقاط ضعف أمنية، الهجوم الأخير الذي وقع في إحدى مناطق التعدين شمال البلاد، وأسفر عن إصابة منقب برصاصة وسرقة مركبة رباعية الدفع محملة بمعدات تعدين، أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الميداني، وأبرز وفق توصيف أمني، «وجود شبكات مسلحة تتحرك بمرونة على طول الحدود، مستفيدة من تعقيد التضاريس واتساع المجال الصحراوي».
في مواجهة هذا التهديد المتكرر، عبر الباحثون عن الذهب عن استيائهم المتزايد، مطالبين الدولة الموريتانية بـ«حماية حقيقية وفعالة»، بدل ما يعتبرونه «حضورا رمزيا» لا يرقى إلى مستوى المخاطر التي تواجههم يوميا ويمثل قطاع التنقيب الأهلي عن الذهب مصدر رزق لآلاف الأسر، ما يجعل أي اختلال أمني في هذه المناطق ذا أبعاد اجتماعية واقتصادية تتجاوز الطابع الأمني البحت.
في هذا الإطار أغلقت السلطات الموريتانية، في 22 ماي الماضي، منطقة لبريكة الواقعة على الحدود الجزائرية، والتي كانت تستغل بحسب تقارير أمنية من قبل عناصر البوليساريو لتنفيذ هجمات ضد القوات المسلحة الملكية المغربية أو أهداف مدنية في السمارة والمحبس، ويقرأ هذا القرار في سياق سعي نواكشوط إلى تحصين مجالها الحدودي ومنع تحوله إلى منصة لعمليات عسكرية عابرة للحدود، بما يحمله ذلك من تداعيات إقليمية حساسة.
على مستوى تعزيز القدرات، حصل الجيش الموريتاني مؤخرا على طائرات مراقبة بدون طيار ذات مدى طويل من شركة ميلتون إنوفيشن الفرنسية، في إطار عقد ممول من الاتحاد الأوروبي بقيمة 40 مليون يورو، خطوة تعكس إدراكا رسميا لأهمية المراقبة الجوية في ضبط التحركات غير النظامية داخل المجال الصحراوي الواسع، غير أن مراقبين يرون أن التحدي لا يكمن فقط في توفر الوسائل التقنية، بل في قدرة الدولة على دمجها ضمن مقاربة أمنية شاملة تجمع بين الردع، والحضور الميداني المستدام، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل مناطق التعدين فضاء مفتوحا للاستهداف.
إن استمرار هذا المنحى التصاعدي ينذر بتداعيات تتجاوز سلامة المنقبين، ليطال الاستقرار المحلي والوطني، ويضع السياسة الأمنية الموريتانية أمام اختبار معقد في منطقة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية بالإقليمية، وفي ظل هذا الواقع يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة الإجراءات المتخذة على تطويق التهديد، ومنع تحول الشمال الموريتاني إلى بؤرة توتر دائمة في معادلة إقليمية شديدة الحساسية.

