عاد ملف الرعاة الرحل ليتصدر واجهة النقاش العمومي في عدد من مناطق المملكة، على غرار إقليمي تيزنيت واشتوكة آيت باها بجهة سوس ماسة، وإقليم سيدي إفني بجهة كلميم واد نون، بعد تنظيمهم وقفات احتجاجية مطالبين بالحق في التنقل، ورافضين ما اعتبروها مضايقات يتعرضون لها، خاصة التوصيفات التي تلصق بهم، مثل “البلطجة” أو “العصابات”، و”الاعتداء على ممتلكات سكان المناطق التي يحلون بها”.
وظهر عدد من الرعاة الرحل في مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، أكدوا فيها التزامهم بممارسة الرعي بشكل مسؤول ووفقًا للأعراف السائدة في هذا الصدد، مع احترام أراضي السكان المحليين وعدم المساس بمحاصيلهم أو ممتلكاتهم.
من جهتها استنكرت “تعاونية الخيمة للرحل” ضمن منشورات لها “التعسفات” التي استهدفت الرعاة في عدة مناطق، مطالبة في الوقت ذاته بالتعامل المرن مع مزاولي نشاط تربية المواشي، الذي قالت إنه يمثل، إلى جانب القطاع الزراعي، ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني.
ورغم ذلك يصر عدد من الفاعلين المدنيين على أن ممارسات الرعاة الرحل تبقى جائرة وتعسفية وتشكل مصدر قلق دائم لسكان المجالات القروية التي يصلون إليها، مؤكدين أن هذه الممارسات تستنزف صبر الساكنة المحلية وتهدد أمنها وسلامتها، خاصة ما يتعلق باستباحة الأراضي المحروثة والاعتداء على الممتلكات وإتلاف المحاصيل الزراعية.
موقف حازم
في هذا الصدد أفاد أحمد يحيى، عضو تنسيقية أكال للدفاع عن حق الساكنة في الأرض والثروة، منسق لجنة الأرض والعرض والموارد، بأن “التعسفات التي يمارسها الرعاة الرحل في عدد من المناطق بجهتي سوس ماسة وكلميم واد نون أصبحت مقلقة وتثير الرعب في صفوف الساكنة المحلية بسبب كثرة عددهم”.
وتابع كذلك بأن “خطاب المظلومية الذي يرفعه هؤلاء الرعاة مرفوض رفضًا باتًا ويعاكس منطق استعراض العضلات والتخريب الذي يمارسونه على ممتلكات السكان وأراضيهم التي يستحلونها بمنطق ‘الأرض أرض مولانا’ وفق تعبيرهم”، مشددًا على أن “الدولة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالاعتراف بملكية القبائل الأمازيغية لأراضيها، خاصة في ظل ما تتعرض له هذه القبائل اليوم من تعسفات واعتداءات هؤلاء الرعاة الذين يقتحمون الأراضي بجحافل من القطعان في محاولة لفرض الأمر الواقع”.
وذكر يحيى أن “هذا الوضع لا يمكن السكوت عنه أبدًا”، موردا أن “التنسيقية تدرس رفقة مجموعة من الفعاليات التي تتابع الوضع عن كثب اتخاذ موقف حازم وتنسيق مواقفها، على اعتبار أن ما يقع يشمل عدة مناطق في أقاليم مختلفة؛ ومن بين الخطوات المطروحة على طاولة النقاش تنظيم وقفات احتجاجية أمام مقرات السلطات المحلية، كمقرات العمالات المعنية”.
ظاهرة بنيوية
من جهته أكد عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، أن “الأمر يتعلق بظاهرة بنيوية في تاريخ المغرب، كانت ومازالت نشاطًا هامًا ومحوريًا في الاقتصاد الوطني، فجل القبائل والمجموعات داخل المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية والتخوم والجبال، سواء بالأطلس الصغير أو الكبير أو المتوسط، كانت تمارس الترحال الرعوي، وبسبب الصراعات التي تنتج تولدت الحاجة إلى تنظيم هذا المجال وفق قوانين وأعراف ومؤسسات، من أشهرها قانون أگدال، الذي يوازن بين استمرار الرعي واستدامة الموارد”.
وأضاف بوشطارت أن “الترحال الرعوي أصبح يعرف تحولات جديدة مع تطور القطاع وارتفاع المستثمرين فيه وتزايد عدد القطعان، إذ ظهر مستثمرون كبار يملكون آلاف رؤوس الماشية، ينتقلون بوسائل نقل كبيرة ولوجيستية هائلة، في عملية يشوبها في الغالب عدم احترام المسارات والمسالك المخصصة، وعدم احترام الأملاك والأشجار، خاصة أرگان واللوز وغيرها، ما يتسبب في صراعات مع الساكنة المحلية”.
وأوضح المتحدث ذاته أن “الدولة تنبهت إلى هذه المعضلة الاجتماعية المعقدة، وحاولت تقنين العملية بإصدار قانون ينظم الرعي والترحال الرعوي رقم 13-113، الذي رغم بعض عيوبه إلا أنه يبقى الإطار القانوني الوحيد الذي يجب أن يخضع له الجميع، خاصة في مواده التي تنظم العملية الأكثر تعقيدًا في هذه الظاهرة، وهي الترحال والتنقل الرعوي، إذ تنص على وجوب توفر الرحل على رخصة، مع ضبط توقيت بداية وممارسة الرعي في منطقة معينة، إضافة إلى تنصيصها على أجهزة تدبير الترحال الرعوي عبر اللجنة الوطنية للمراعي واللجان الجهوية”.
واعتبر كذلك أن “الرعي الجائر والكثيف جدًا في بعض المناطق يهدد السلم الاجتماعي، كما يزعج طمأنينة وراحة الساكنة، التي تعاني من ضغوطات وتعسفات غير مقبولة”، وزاد: “لاحظنا أن رجال السلطة المحلية وأجهزة الدولة يعانون أيضًا أثناء سهرهم على تنفيذ القانون في احترام تام للمساطر والإجراءات الإدارية والقانونية. وقد ظهرت أشكال احتجاج جديدة لم نشهدها من قبل، ينظمها بعض الرعاة ويرفعون فيها مطالب غريبة، ليس لها أي سند شرعي ولا مرجعية حقوقية”.
وخلص بوشطارت إلى أن “تربية الماشية مشروع اقتصادي مربح جدًا، فأسعار اللحوم والأضاحي اليوم أصبحت مرتفعة جدًا في الأسواق، لذلك على ممارسي هذا النشاط الاقتصادي أن يحترموا القانون الذي يسري على الجميع، وأن يؤدوا الضرائب والرسوم، وألا يتعسفوا على أملاك المواطنين، الذين هم أيضًا فلاحون صغار ومربو ماشية، ولا يمارسون أي نشاط اقتصادي آخر من غير الفلاحة المعيشية، وبالتالي فهم يحتاجون إلى الدعم، وقبل كل شيء الشعور بالأمن والطمأنينة والسكينة”.

