العمق الصحراوي: هيئة التحرير
وجه زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أعلن فيها عن تقديم الجبهة لما سمّته “مقترحًا موسعًا” لحل نزاع الصحراء، معتبرةً أنه يأتي في إطار “مبادرة حسن نية” استجابةً لدعوات الأمم المتحدة إلى الحوار والتسوية السياسية. غير أن مضمون الرسالة، وفق ما ورد في نصها الرسمي، يكشف أن الجبهة لم تبرح موقعها التقليدي، إذ لا تزال متمسكة بخيار “الاستفتاء لتقرير المصير”، وهو خيار تجاوزه الواقع السياسي والدبلوماسي منذ سنوات طويلة.
تؤكد الجبهة في رسالتها أنها قدمت مقترحًا “يرمي إلى التوصل إلى حل سياسي مقبول من الطرفين يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية ويعيد الاستقرار الإقليمي”، معربة عن استعدادها لـ“تقاسم فاتورة السلام مع الطرف الآخر” في إشارة إلى المغرب، شرط “توفر الإرادة السياسية للابتعاد عن الحلول المفروضة من جانب واحد”. لكن هذه الصياغة – رغم ما تحمله من لغة دبلوماسية مرنة – تعيد إنتاج نفس الموقف الذي تبنته البوليساريو منذ تقديم مقترحها سنة 2007، دون أي تطور في الجوهر أو في تصورها لطبيعة الحل الواقعي الممكن.
تأتي هذه المبادرة في تناقض واضح مع قرار مجلس الأمن رقم 2756 الصادر في أكتوبر 2024، والذي دعا الأطراف كافة إلى استئناف المفاوضات “دون شروط مسبقة” وعلى أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي الذي قُدم سنة 2007، واعتبره المجلس “الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” للتوصل إلى حل سياسي دائم للنزاع. كما شدد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقاريره الدورية، على أن “حسن النية” يقتضي التخلي عن الشروط المسبقة وعن الأطروحات غير العملية التي تُبقي العملية السياسية في حلقة مفرغة.
ويرى مراقبون أن خطوة إبراهيم غالي الجديدة تأتي في سياق محاولة الجبهة كسر العزلة الدبلوماسية المتزايدة التي تواجهها نتيجة تقلص دائرة داعميها الإقليميين والدوليين، مقابل تنامي الدعم العالمي للموقف المغربي. ويشير المحللون إلى أن الرسالة ليست سوى محاولة لإعادة تسويق أطروحة الاستفتاء ولكن بعبارات أكثر نعومة، بهدف كسب بعض الزخم الإعلامي والسياسي في وقت تواجه فيه الجبهة تراجعًا ميدانيًا وتفككًا داخليًا في صفوفها.
في المقابل، يواصل المغرب ترسيخ حضوره على الأرض من خلال دينامية تنموية قوية في الأقاليم الجنوبية، ورؤية ملكية واضحة تعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية “هي أقصى ما يمكن للمغرب أن يقدمه وأذكى ما يمكن للعالم أن يدعمه”. وقد أصبحت هذه المبادرة، بمرور الوقت، الإطار المرجعي المعتمد في مداولات الأمم المتحدة، إذ تنظر إليها القوى الكبرى كخيار عملي يوازن بين الواقعية السياسية واحترام السيادة الوطنية.
الرسالة الأخيرة لزعيم البوليساريو، وإن سعت إلى إظهار الجبهة في موقع “المبادر” و”الباحث عن السلام”، فإنها تعكس استمرارًا في سياسة المناورة الخطابية بعيدًا عن منطق الواقعية. فبينما تتحدث البوليساريو عن “تقاسم فاتورة السلام”، يبني المغرب سلامًا فعليًا على الأرض: سلام التنمية والاستقرار والوحدة الترابية. وبات من الواضح أن رهان الجبهة على شعارات الماضي لم يعد يجد صدى في السياق الدولي الراهن، حيث تتجه الأمم المتحدة نحو تعزيز منطق الحلول العملية بعيدًا عن الأطروحات الانفصالية.
تبقى الحقيقة الجوهرية أن حل نزاع الصحراء لن يُبنى على أوهام الانفصال أو العودة إلى خيارات متجاوزة، بل على إرادة سياسية واقعية تجسدت في المشروع المغربي للحكم الذاتي، الذي حظي بتأييد متزايد عبر القارات الخمس. وفي حين تُعيد البوليساريو تدوير خطاب الأمس، يمضي المغرب بخطى واثقة نحو المستقبل، مستندًا إلى رؤية تنموية متكاملة ووحدة ترابية راسخة تمتد من طنجة إلى الكويرة.

