مع انتخاب الجمعية العامة للأمم المتحدة خمسة أعضاء جدد لشغل المقاعد غير الدائمة بمجلس الأمن للفترة الممتدة بين يناير 2027 ودجنبر 2028، تبرز تساؤلات متزايدة حول انعكاسات هذه التركيبة الجديدة على عدد من الملفات الدولية المعروضة على المجلس، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تظل من أبرز القضايا المدرجة بشكل دوري على أجندة الهيئة الأممية المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
أسفرت الانتخابات الأخيرة عن فوز النمسا والبرتغال عن مجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، وزيمبابوي عن المجموعة الإفريقية، وقيرغيزستان عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، إضافة إلى ترينيداد وتوباغو عن مجموعة أمريكا اللاتينية والكاريبي، وذلك خلفا للصومال وباكستان وبنما والدنمارك واليونان التي تنتهي ولايتها نهاية سنة 2026.
رغم أن الدول غير الدائمة العضوية لا تمتلك حق النقض فإن حضورها داخل مجلس الأمن يظل مؤثرا في بناء التوافقات وصياغة مشاريع القرارات والتوصيات، خصوصا في الملفات التي تتطلب توازنا دقيقا بين الاعتبارات السياسية والقانونية والدبلوماسية.
وبالنسبة لملف الصحراء تبدو القراءة الأولية للتركيبة الجديدة أقرب إلى تعزيز الاتجاه الذي بات يطبع مداولات المجلس خلال السنوات الأخيرة، أكثر من كونها تمثل تحولا جذريا في مقاربته للنزاع.
فمن بين الأعضاء الجدد تبرز البرتغال والنمسا باعتبارهما من الدول الأوروبية التي عبرت خلال السنوات الأخيرة عن مواقف متقدمة تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي. إذ أكدت لشبونة في أكثر من مناسبة أن المبادرة تشكل أساساً جدياً وذا مصداقية للتوصل إلى حل سياسي متوافق بشأنه، بينما تبنت فيينا خطابا يدعم الحلول الواقعية والعملية تحت إشراف الأمم المتحدة.
كما أن انضمام قيرغيزستان لا يطرح أي مؤشرات على وجود موقف معارض للمقاربة الأممية الحالية، في حين تميل الدولة الآسيوية إلى دعم جهود الأمم المتحدة والحلول السياسية القائمة على التوافق.
وفي المقابل تمثل زيمبابوي الدولة الأكثر قربا من الأطروحة الانفصالية داخل الأعضاء المنتخبين الجدد، غير أن وزنها داخل المجلس يظل محدودا بالنظر إلى طبيعة آليات اتخاذ القرار والتوازنات التي تحكم عمل الهيئة الأممية، خاصة في الملفات المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين.
أما ترينيداد وتوباغو، ورغم استمرار اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، فإن حضورها داخل المجلس لا ينتظر أن يؤثر بشكل جوهري في مسار الملف، خصوصا أن قرارات مجلس الأمن لا تصاغ بمنطق المواقف الفردية بقدر ما تخضع لتوافقات أوسع تقودها الدول الأكثر تأثيرا داخل المجلس.
وتزداد أهمية هذه المعطيات بالنظر إلى أن سنة 2027 ستشهد أيضا استمرار عضوية دول غير دائمة أخرى سبق أن عبرت عن مواقف منسجمة مع الطرح المغربي، من بينها البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما يمنح الرباط هامشا إضافيا من الارتياح داخل النقاشات المرتبطة بالملف.
ويعتبر متابعون أن أهمية هذه التركيبة لا تكمن فقط في عدد الدول القريبة من المقاربة المغربية، بل في انسجامها مع التحول الذي شهده مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة، والذي تُوج باعتماد القرار 2797 في أكتوبر 2025.
فهذا القرار شكل نقطة تحول بارزة في مسار النزاع، بعدما كرس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها المبادرة الجدية وذات المصداقية والواقعية المطروحة على طاولة الأمم المتحدة، كما أعاد التأكيد على مسؤولية الأطراف الأربعة في العملية السياسية، وهي المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو.
وفي هذا السياق فإن التركيبة الجديدة لمجلس الأمن أقرب إلى ترسيخ الاتجاه القائم داخل الهيئة الأممية أكثر من إحداث قطيعة معه، خاصة في ظل استمرار الدعم الدولي المتنامي للمبادرة المغربية واتساع دائرة الدول التي باتت تعتبر الحكم الذاتي الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وبينما تستعد الدول المنتخبة لتولي مهامها مطلع سنة 2027، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن مجلس الأمن سيواصل الاشتغال وفق المرجعيات التي أرساها خلال السنوات الأخيرة، مع تركيز متزايد على الدفع بالعملية السياسية نحو نتائج عملية، في وقت تتعزز فيه القناعة الدولية بأن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم متطلبات الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وفي انتظار الاستحقاقات الأممية المقبلة، الرباط أمام بيئة دبلوماسية أكثر ملاءمة مما كانت عليه قبل سنوات، ليس فقط بفعل مواقف عدد من أعضاء المجلس، وإنما أيضاً نتيجة التحول التدريجي الذي عرفه التعاطي الدولي مع الملف، والانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية.

