في ظرف أقل من أربع وعشرين ساعة، أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية ثلاثة بلاغات متتالية حول تطورات الحرب المشتعلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، في أعقاب استهداف طهران قواعد أمريكية بدول خليجية، وما تلا ذلك من تطورات خطيرة في المشهد الإقليمي، من بينها أنباء عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.
تتابع البلاغات، وتبدل نبرة الخطاب من صيغة إلى أخرى، فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت الدبلوماسية الجزائرية تتحرك وفق رؤية واضحة، أم أنها وجدت نفسها في حالة رد فعل متسارع أمام حدث إقليمي يفوق قدرتها على التموضع الحاسم.
البلاغ الأخير الصادر باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، حمل تأكيدا على “التضامن مع الدول العربية الشقيقة” ورفض “أي مساس بسيادتها ووحدتها الترابية”، مع دعوة إلى وقف التصعيد وتغليب منطق الحوار، غير أن المتابعين لاحظوا أن المضمون يكاد يتكرر في كل بيان، مع تغييرات طفيفة في الصياغة، دون تقديم موقف سياسي صريح من الأطراف المتواجهة أو من طبيعة الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد أمريكية في الخليج.
هذا التكرار بدل أن يعكس ثباتا في الموقف، أعطى انطباعا بوجود ارتباك في إدارة الرسالة الدبلوماسية، خاصة في ظل حساسية اللحظة الإقليمية وتعقيداتها.
لطالما احتفظت الجزائر بعلاقات سياسية متينة مع إيران، قائمة على تقاطعات إيديولوجية ومواقف مشتركة في ملفات إقليمية، وفي المقابل ترتبط بعلاقات رسمية مع دول الخليج والولايات المتحدة، بحكم توازنات المصالح الدولية.
اندلاع مواجهة مباشرة بين طهران وواشنطن، وامتدادها إلى أراضي دول خليجية، وضع الجزائر أمام معادلة دقيقة: هل تنحاز إلى حليفها التقليدي ؟، أم تلتزم خطاب “الحياد المبدئي” ؟، أم تحاول صياغة موقع وسطي يحفظ لها خطوط التواصل مع الجميع ؟، البيانات المتلاحقة توحي بأن الإجابة لم تحسم بعد داخل دوائر القرار، وهو ما يفسر تغير الإيقاع وسرعة إصدار البلاغات.
في الأزمات الكبرى، لا تقاس قوة الدول بعدد بياناتها بل بوضوح رؤيتها، الدبلوماسية الفعالة تصوغ موقفا واحدا متماسكا، يبنى على قراءة استراتيجية للمصالح الوطنية، ويترجم إلى خطاب سياسي منسجم، أما تكرار البيانات خلال ساعات دون إضافة نوعية في المضمون، فيفقد الرسالة قوتها ويدخلها في دائرة التأويل.
اللافت أن البيان الأخير شدد على “رفض كل أشكال التصعيد” والدعوة إلى “تغليب الحوار”، وهي صيغة أقرب إلى خطاب تقليدي في أوقات الأزمات، لكنها لم تجب بوضوح عن سؤال الرأي العام: أين تقف الجزائر تحديدا من استهداف القواعد الأمريكية ؟ وكيف تقرأ التحولات الدراماتيكية في طهران بعد اغتيال شخصية بحجم المرشد الأعلى ؟
التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليس حدثا عابرا، بل منعطفا قد يعيد رسم توازنات المنطقة، استهداف قواعد أمريكية في الخليج يعني أن ساحة المواجهة لم تعد محصورة في حدود دولة بعينها، بل أصبحت مفتوحة على احتمالات إقليمية واسعة، قد تمس أمن الطاقة والملاحة الدولية واستقرار الأنظمة.
في هذا السياق تبدو كل كلمة في بيان رسمي محسوبة بدقة، وأي تردد أو غموض يقرأ فورا كإشارة إلى ارتباك داخلي أو حسابات لم تكتمل.
ثلاثة بلاغات في أقل من يوم واحد ليست مجرد تفصيل بروتوكولي؛ إنها مؤشر على ضغط سياسي غير مسبوق تعيشه الدبلوماسية الجزائرية أمام حدث إقليمي متفجر، السؤال الجوهري اليوم ليس فقط ماذا قالت الجزائر، بل لماذا احتاجت إلى قول الشيء نفسه ثلاث مرات بصيغ ؟

