شهدت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، بشأن استعداد بلاده للوساطة في نزاع الصحراء المغربية، تفاعلا مرحّباً من قيادة جبهة البوليساريو. فقد سارع مسؤول خارجيتها، محمد يسلم بيسط، إلى الإشادة بالمبادرة خلال افتتاح ملتقى موالٍ للجبهة، معتبراً أنها تعكس إرادة للحل وتستجيب لما يصفه بـ”متطلبات التسوية العادلة والدائمة”، مع التأكيد على أن قبول الوساطة يبقى رهيناً بموقع الجبهة داخل الإطار الأممي.
غير أن هذا الترحيب أثار علامات استفهام لدى المتابعين الذين يرون أن موقف البوليساريو يهدف بالأساس إلى تعزيز طابعها السياسي وعلاقتها الوثيقة بالجزائر، ومنح هذه الأخيرة مشروعية التدخل في الملف. ويؤكد هؤلاء أن “الحفاوة السريعة” تكشف استمرار الاعتماد على الدعم الجزائري ومحاولة توجيه النقاش خارج منطق الواقعية السياسية المفروضة بالتحولات الإقليمية والدولية.
ويرى محللون أن طرح الجزائر لنفسها كوسيط لا يعدو أن يكون محاولة لتجاوز صفتها كطرف رئيسي في النزاع، رغم انخراطها المباشر في تأجيج الخلاف منذ عقود. وهو ما قد يعمق خطاباً سياسياً لا يخدم التهدئة ولا جهود بناء فضاء مغاربي قائم على التعاون بدل الانقسام.
“كعب أخيل” السياسة الجزائرية
يعتبر الباحث في التاريخ المعاصر، دداي بيبوط، أن مواقف الجزائر تجاه ملف الصحراء تتغير بتغير المزاج الدولي، دون اعتبار لمسار طويل من المناورات تجاه المغرب. ويشير إلى أن القرار الأممي 2797، الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي أساس أي حل سياسي جدي، أعاد رسم معالم المشهد الدبلوماسي.
ويؤكد بيبوط أن تقديم الجزائر لنفسها كوسيط يناقض واقع كونها الطرف الرئيسي في النزاع منذ السبعينات، حين رعت وموّلت مليشيات مسلحة ضد المغرب. ويضيف أن الدعوة إلى تقسيم الصحراء لا تعكس نضجا دبلوماسيا بقدر ما تكشف رغبة في تحقيق مكاسب جيوسياسية، أبرزها التحكم في جنوب المغرب لمواجهة أزماتها الداخلية.
كما يرى أن رفض الجزائر قرار مجلس الأمن الأخير، واتباعها سياسات تصعيدية تجاه فرنسا وإسبانيا، يعاكس مسار بناء الثقة. وهو ما يجعل طموحها للظهور كوسيط حيادي أمراً غير واقعي، خاصة في ظل رفضها المتكرر لبوادر التقارب التي قدمها الملك محمد السادس.
ويختم بيبوط بالقول إن “الوساطة الجزائرية” ليست سوى انعكاس لحالة قلق داخلي أمام التحولات الدولية التي تدعم الحلول الواقعية، وفي مقدمتها الحكم الذاتي الذي يحظى بتأييد واسع من سكان الأقاليم الجنوبية.
الوساطة كتكتيك مرحلي
من جهته، يرى محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن مرحلة ما بعد 31 أكتوبر أصبحت أكثر وضوحا بعد القرار الأممي 2797، الذي نقل النزاع إلى محطة تسوية ملموسة.
ويشير إلى أن مبادرة عطاف تأتي ضمن محاولة لإعادة تموقع الجزائر بعدما رفضت في 2021 وساطة عربية، وقطعت علاقاتها مع المغرب متهمة إياه بأعمال عدائية. كما أن خطابها الرسمي كان يصور المغرب كـ”قوة استعمارية”، مما يجعل التحول السريع في نبرة الخطاب مثيراً للتساؤل.
ويضيف بقادة أن تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف حول احتمال التوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين خلال أشهر قد تكون جزءا من سياق دفَع الجزائر لإظهار مرونة شكلية حفاظاً على ماء الوجه قبل أي انفتاح مرتقب.
كما تنبّه قراءة بقادة إلى أن الجزائر تواجه حصاراً جيوسياسياً واسعاً جنوباً وشرقاً وشمالاً، إضافة إلى اهتزاز علاقاتها مع أوروبا، ما يدفعها إلى إعادة ترتيب حساباتها. ويأتي ذلك بالتزامن مع تعزيز المغرب لشراكاته الاستراتيجية، خصوصاً مع موريتانيا، وهو ما عزز موقعه الإقليمي.
ويخلص المتحدث إلى أن “الوساطة الجزائرية” ليست سوى مرحلة انتقالية لامتصاص التحولات المتسارعة، وأن الهدف الأساس هو حماية مصالح الجزائر أكثر مما هو خدمة لمسار التسوية الأممية، في وقت تتجه فيه الموازين نحو الحكم الذاتي باعتباره الخيار العملي الوحيد.

