كشف روبرت بالادينو، رئيس مكتب شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية، خلال جلسة استماع في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، أن الولايات المتحدة قد تتجه إلى فرض عقوبات على الجزائر بسبب شراء مقاتلات هجومية من روسيا، حسب ما أفادت به وكالة “تاس”.
وذكر المسؤول الأمريكي ذاته، نقلاً عن المصدر نفسه، أن “وزارة الخارجية ملتزمة بتطبيق قانون مواجهة خصوم أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA)”، موردا جوابًا عن سؤال حول الإجراءات المتخذة لمنع الجزائر من شراء معدات عسكرية روسية: “واشنطن تعمل بشكل وثيق جدًا مع الحكومة الجزائرية في القضايا التي نتفق بشأنها. وبالطبع نختلف في العديد من المسائل، وهذا مثال على ما تعتبره الولايات المتحدة مشكلة”.
وتابع بالادينو: “نحن نستخدم أدوات النفوذ المتاحة لنا في المجال الدبلوماسي، وغالبًا ما نفعل ذلك بشكل غير علني، من أجل حماية مصالحنا ووقف التصرفات غير المقبولة”.
وتعيد هذه التصريحات إلى الواجهة موقف وزير الخارجية الحالي مارك روبيو، الذي دعا أواخر العام 2022، حين كان سيناتورًا ونائب رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إدارة بلاده إلى فرض عقوبات أمريكية على الجزائر بسبب مشتريات السلاح الروسي، مشددًا في رسالة وجهها إلى وزير الخارجية آنذاك، أنتوني بلينكن، على أن “تدفق الأموال الجزائرية إلى روسيا سيؤدي إلى زيادة تمكين آلة الحرب الروسية في أوكرانيا”، وفق تعبيره.
أخطاء ومخاطر
قال شوقي بن زهرة، ناشط سياسي جزائري معارض، إن “الجزائر تدفع اليوم ثمن أخطاء النظام وضعف رؤيته الاستشرافية لتغير الوضع الدولي، إذ انخرط في سياسات لم تستند إلى أي رؤية إستراتيجية واضحة، فالاعتماد الكبير على السلاح الروسي، في ظل تغير البيئة الجيوسياسية العالمية، يجعل البلاد اليوم عرضة لمخاطر وتداعيات اقتصادية ودبلوماسية مباشرة”.
وأضاف بن زهرة في أن “تلويح واشنطن بإمكانية فرض عقوبات على الجزائر نتيجة صفقاتها العسكرية مع روسيا يعكس حجم العزلة التي تواجهها الدولة الجزائرية”، وزاد: “الغريب أن التقارب مع روسيا على حساب الغرب لم يفد الجزائر في شيء، إذ رفض طلب انضمامها إلى منظمة ‘البريكس’ وظهرت مشاكل مع موسكو في الساحل”.
وتابع المتحدث ذاته بأن “تجاهل تعقيد الواقع الدولي وعدم البحث عن مصادر تسليح بديلة وموازنة هذه المصادر يعرض الجزائر لمزيد من الضغوط الخارجية، ويكشف هشاشة قدرة النظام الحاكم على إدارة ملفات الأمن القومي بمرونة وذكاء إستراتيجي دون السقوط في منطق الاصطفافات”، مبرزًا أن “الجزائر خسرت روسيا والولايات المتحدة الأمريكية نتيجة القرارات الخاطئة والانغلاق على خيارات محدودة جعلت كل قرار جزائري معرضًا للتداعيات الخارجية”.
تهديد وضغوط
أفاد عبد الرحمن مكاوي، خبير في الشؤون العسكرية، بأن “التلويح الأمريكي بتوقيع عقوبات على الجزائر بسبب اقتناء مقاتلات روسية يضع هذه الدولة في ورطة كبيرة، خاصة أن الجيش الوطني الشعبي الجزائري يعتمد في تسليحه بشكل شبه كلي على السلاح الروسي، إذ إن حوالي 85 في المائة من مشتريات الأسلحة الجزائرية تأتي من روسيا”.
وأبرز مكاوي أن “واشنطن ترى في اقتناء الجزائر طائرات مقاتلة روسية تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ومصالحها في المنطقة، خاصة الأسطول السادس الذي يبحر في البحر الأبيض المتوسط”، مسجلاً أن “الجزائر حاولت إقناع الإدارة الأمريكية بالسماح لها باقتناء مقاتلات روسية متطورة، لكنها رفضت أكثر من مرة رغم تقديم الجزائريين تنازلات اقتصادية كبيرة، سواء في قطاع النفط أو قطاع المعادن النادرة”.
وتابع الخبير ذاته بأن “الموقف الأمريكي يتشبث برفض أي تعامل جزائري مع المركب الصناعي العسكري الروسي؛ دون أن ننسى أن إسرائيل، حليف أمريكا، تضغط بدورها في هذا الملف، إذ ترى في اقتناء الجزائر مقاتلات هجومية متطورة تهديدًا لأمنها، والأمر نفسه بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية التي لا تشعر بالارتياح تجاهها”.
وبيّن المتحدث نفسه أن “هناك في المقابل عدة اعتبارات تجعل الجيش الجزائري غير قادر على التراجع عن اقتناء الأسلحة الروسية، إذ يتطلب استبدال هذه الأسلحة والتكوينات العسكرية الغربية أكثر من 30 سنة، كما أن أجنحة داخل الجيش ترفض هذا التحول وتقاومه، وبالتالي فإن الجزائر اليوم في ورطة، خاصة أن الهند والصين ليستا على استعداد لاستبدال السلاح الروسي الذي تمتلكه الجزائر”.

