تعتبر واقعة السمارة مناورة بائسة لفصل جديد من فصول الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية، والتي تحاول من خلالها بوليساريو ومن خلفها القوى الراعية كسر حالة التفوق السياسي المنتج التي فرضها المغرب على المستوى الميداني والدبلوماسي. فإستهداف محيط مدينة ذات رمزية روحية وتاريخية كالسمارة، بمقذوفات إنطلقت من مناطق شرق الجدار الأمني، مناطق تخضع للإتفاقيات فنية أممية تمنع قيام أي نشاط عسكري، عملية بائسة ليست سوى محاولة لتصدير أزمة بوليساريو الداخلية بمخيمات تندوف إلى الواجهة الدولية، وتوهيم العالم بأن المنطقة تعيش حالة صراع مفتوح في وقت تشهد فيه الأقاليم الجنوبية للمملكة نهضة تنموية وإعترافات دولية متتالية بمغربية الصحراء وبجدية تنزيل الحكم الذاتي الذي حسم فيها القرار الأممي 2797.
فواقعة إستهداف السمارة والتي تعتبر خرقا مباشرا للتفاهمات التي شددت عليها الولايات المتحدة الأمريكية خلال المشاورات الأخيرة التي احتضنتها العاصمتين مدريد و واشنطن، والتي اعتبرت أن الالتزام بوقف إطلاق النار يشكل المدخل الأساسي لأي تقدم سياسي في نزاع الصحراء المغربية. فمحاولة ترويع المدنيين هو تحول خطير يضع بوليساريو والجزائر في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي الإنساني.
فمن الناحية القانونية يكيف هذا الفعل كـعمل إرهابي أو جريمة حرب كونه إستهدف مناطق سكنية مدنية،حتى ولو أن مدى المقدوفات جاء محاديا لمناطق خارح المدينة، وهو الأمر الذي يمنح المغرب ورقة دبلوماسية رابحة لترسيخ سردية الجماعة المارقة ذات النزوع الإرهابي ويمهد الطريق لتصنيفات دولية مستقبلية تضيق الخناق على الجبهة الإنفصالية مستندا في ذلك إلى حق الدفاع الشرعي عن النفس الذي تكفله المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. فهجوم السمارة سيجعل بوليساريو في مواجهة إنتقادات متزايدة بشأن طبيعة تحركاتها المسلحة، خاصة مع تصاعد الدعوات داخل دوائر سياسية أمريكية وإعلامية دولية إلى تصنيفها ضمن خانة التنظيمات الإرهابية.
أمام هذه الواقعة يبدو أن قواعد اللعبة تتجه نحو الحسم التكنولوجي والجغرافي الصارم. فالمغرب الذي يعتبر هذه المناطق جزء لا يتجز من ترابه الوطني لن يكتفي بردود الأفعال اللحظية، بل سيمضي في تعزيز قبضته الأمنية عبر تكنولوجيا الدرونات المتطورة التي تجعل من المنطقة العازلة منطقة محرمة بشكل فعلي على أي تحرك من عناصر مشبوهة، فإستغلال هذه الأراضي كمنصات للأعمال العدائية يسقط عنها بشكل عملي الحماية التي كانت توفرها الإتفاقية العسكرية رقم 1 ويعطي الحق للمغرب في إعادة النظر في الحزام الأمني وتوسيع نطاق المراقبة والتدخل ليشمل الثغرات التي أستغلت في هذا الهجوم بما في ذلك المناطق الحدودية المتداخلة.
كما أن منطقة تيرس زمور والحدود الموريتانية فقد أضحت اليوم تفرض ضرورة جيوسياسية ملحة بسبب التحولات المتسارعة في منطقة الساحل، فالفوضى الأمنية والعمليات الإرهابية التي إستهدفت مالي و تكتيك نقال بؤر التوتر الى دول مجاورة تجعل من ضبط الحدود المغربية الموريتانية وتأمين النقط الحدودية الضعيفة أولوية قصوى للأمن القومي المغربي. هذا الواقع قد يدفع نحو تفاهمات ميدانية جديدة تضمن عدم تحول الأراضي الموريتانية إلى منطلق للإستفزازات، كما قد يفرض واقع ميداني يضطر فيه الجيش المغربي لملء الفراغ الأمني لضمان عدم تسلل الجماعات المسلحة وتأمين الإتصال الإستراتيجي نحو العمق الإفريقي، خاصة وأن مجلس الأمن في قراراته الأخيرة ومنها القرار الأممي رقم 2703 والذي يصف هذه المناطق بـشرق الجدار الأمني المغربي كونها تحت المسؤولية الدولية بإعتبارها مجال لتحرك قوات المينرسو ، هو حسم ونسف لمزاعم وأكدوبة الأراضي المحررة التي تسوقها بوليساريو.
ختاما، عملية السمارة البائسة، تجعل المغرب يواجه التصعيد بهدوء إستراتيجي يزاوج بين الحزم العسكري في ملاحقة مصادر المقدوفات، وبين النفس الطويل في الدبلوماسية الدولية فكل طلقة طائشة ضد السمارة يحولها المغرب إلى مسمار جديد يدقه بقوة في نعش الأطروحة الإنفصالية، ويمنح المملكة الحق الكامل لإستئصال بؤر التهديد في مهدها لحماية المدنيين ومكافحة الإرهاب العابر للحدود في منطقة لم يعد العالم يقبل فيها مزيدا من كيانات الفوضى.
د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وإستراتيجي

