يُقدِّم كتاب “الدبلوماسية الملكية وقضية الصحراء المغربية”، الذي شكل محور تأملات عميقة في معرض الكتاب بالرباط، قراءة في “السلوك الخارجي المغربي والتحولات الجيوسياسية والاستراتيجية الإقليمية والدولية”؛ وهو عمل أنجزه مجموعة من الباحثين، تحت إشراف وتنسيق الدكتور العباس الوردي والدكتور محمد عصام لعروسي.
وشكل هذا الكتاب الجديد “إضافة نوعية لمجال الدراسات حول الصحراء المغربية، ولبنة إضافية تنضاف إلى لائحة المؤلفات المتعلقة بالموضوع”. ومن أهم ما يقدمه “التركيز على الدبلوماسية الملكية، وإفراد مساحة خاصة بها (…) اعتبارا لاحترام ومواكبة التطور الذي عرفته قضية الصحراء المغربية، وخاصة منذ وقف إطلاق النار سنة 1991 واستمرار حالة الجمود العسكري والسياسي، واستمرار الوضع القائم إلى غاية تاريخ اقتراح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007”.
وتضمن المؤلف الجماعي “محاور تناولت الدبلوماسية الملكية وقضية الصحراء؛ من خلال محاور أساسية لامست جوهر القضية وسياقها التاريخي من جهة، وكذا دور المحيطين الإقليمي والدولي في استمرار هذا النزاع الذي عمر قرابة 50 سنة، بالتركيز على دول الجوار الشمال إفريقي بداية من الجزائر، موريتانيا، ليبيا وصولا إلى الدول الغربية”.
كما تعرض العمل “للتحولات الجيوسياسية والدولية والإقليمية التي استفادت منها الدبلوماسية المغربية للوصول إلى المراحل النهائية للتسوية السياسية”، وتعرض أيضا لـ”دور المنظمات الدولية والإقليمية في التعاطي مع القضية، والجانب الاتفاقي المهم، وكذا قرارات مجلس الأمن منذ بداية النزاع، وتقارير الأمين العام للأمم المتحدة ذات الصلة”، مع تناوله بالتحليل “أهمية القرارات وتدرجها، إلى حين الوصول إلى القرار 2797 الذي أقر بشرعية مبادرة الحكم الذاتي، واعتبرها الحل المناسب لطي هذا الملف الذي عمر طويلا”.
ومن بين ما يهتم به الكتاب المتغيرات المستقلة التي أنتجت واقعا جيوسياسيا جديدا في المنطقة، خاصة “الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020 بعد محاصرة البوليساريو وتأمين معبر الكركرات سنة 2018″؛ لأن “الاعتراف شكل تحولا مركزيا في قضية وحدتنا الترابية، بفضل الدبلوماسية الملكية المتبصرة والمستنيرة التي لعبت باقتدار على تعميق علاقات قوية مع دول وتقاطبات مهم؛ ذلك أن الدبلوماسية الملكية استطاعت أن تستوعب كل تفاصيل التحول في النظام الدولي والبنيات الإقليمية، ونسجت علاقات معتدلة وبناءة مع كل أطراف النظام الدولي، بما في ذلك الصين وروسيا، والدول الصاعدة أيضا”.
وأوضح المؤلف أن الإيمان بمبدأ التعددية الدبلوماسية دفع المغرب إلى “الحفاظ على علاقات وشراكات وازنة، مع أخذ مسافة واضحة من العديد من الأزمات الدولية كالأزمة الأوكرانية، والتدخلات الإيجابية للمغرب في إفريقيا، خاصة في منطقة الساحل جنوب الصحراء”.
ومن بين ما تناوله هذا الجهد العلمي “دور القانون الدولي، والجانب الاتفاقي والمعاهدات في تأطير وتأويل مفاهيم الحق في تقرير المصير، ومفهوم البيعة، وقرارات محكمة العدل الدولية المؤكدة على الروابط التاريخية التي تجمع الساكنة مع سلاطين المملكة المغربية، وعدم اعتبار الصحراء أرضا خلاء كما كانت تروج بعض السرديات المتهالكة، ودراسة وتحليل قرارات مجلس الأمن الدولي التي عرفت منذ سنوات تحولات واضحة على مستوى الشكل والمضمون، تبعا للتحولات التي عرفها النسقان الإقليمي والدولي، والتطور على مستوى موازين القوى الإقليمية؛ ذلك أن مجلس الأمن الدولي أصدر، منذ 1975، ستة وسبعين قرارا والتي بنيت على ست وستين تقريرا قدمهم ستة أمناء عامون للأمم المتحدة”.
كل هذه القرارات والتقارير، أردف الكتاب، “مرت عبر سياقات إقليمية ودولية طابعها الجوهري هو التغير والتحول، وانتقلت من لغة ومضمون حريصين على التوازن بين الأطراف المتنازعة إلى صيغ تحبذ الحلول السياسية، والطاولات المستديرة، وإقرار مسؤولية الأطراف في هذا النزاع؛ وخاصة أن الجزائر ظلت دائما تكرر سردية عدم ضلوعها ودورها في دعم “البوليساريو”. ومنذ 2014، لم تعد القرارات الأممية تشير إلى احتمال أطروحة الانفصال والحق في تقرير المصير كما تراه الجزائر، وخاصة بعد فشل مخطط جيمس بيكر الأول والثاني وقيام المغرب باقتراح مبادرة الحكم الذاتي”.
وركزت العديد من محاور العمل على دور الدبلوماسية الملكية في “تحقيق الانتصارات المتتالية”، و”تأمين الإجماع الدولي حول مبادرة الحكم الذاتي”، حيث إن “ثلثي دول العالم يعتبران أن المبادرة المغربية مبادرة عقلانية وبناءة، وهي الأكثر قدرة على التطبيق لإنهاء هذا الصراع المفتعل”، فضلا عن رسم المؤلف الجماعي معالم وآفاق الحل والتسوية، تحت السيادة المغربية.
ويشمل الكتاب محاور هي: “أولا: مسار تطور قضية الصحراء المغربية بين الروابط التاريخية والإجماع الداخلي والاعتراف الدولي”، “ثانيا: الدبلوماسية المغربية في مواجهة الجوار.. مواقف ليبيا والجزائر وموريتانيا من قضية الصحراء المغربية”، “ثالثا: الدبلوماسية الملكية وقضية الصحراء المغربية.. ست وعشرون سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس”، “رابعا: الدبلوماسية الملكية والمدركات الجديدة لقضية الصحراء المغربية واستثمار المغرب للمتغيرات البنيوية الإقليمية والدولية”، “خامسا: الدبلوماسية الملكية والتعاطي مع المنظمات الدولية والإقليمية لتسوية قضية الصحراء المغربية”، “سادسا: الدبلوماسية الملكية وآفاق تسوية قضية الصحراء المغربية في إطار القانون الدولي”، و”سابعا: مشروع الحكم الذاتي الحل الواقعي لإنهاء معاناة الصحراويين في مخيمات تندوف”.

