في خطوة تعكس ذروة التأزم في العلاقات عبر الأطلسي أعلن البنتاغون رسمياً عن قرار سحب 5000 جندي أمريكي من الأراضي الألمانية، وهي الخطوة التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن الخلاف العلني الحاد بين الرئيس دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس حول السياسات المتبعة تجاه الملف الإيراني.
هذا الانسحاب يمثل التحول الأكثر دراماتيكية في العقيدة العسكرية الأمريكية تجاه القارة العجوز، ويأتي كتجسيد لسنوات من التذمر في واشنطن حيال ما تصفه بـ”تكاسل” الحلفاء الأوروبيين في الإنفاق الدفاعي، وعدم انخراطهم الكافي في دعم التوجهات الأمريكية في الشرق الأوسط.
إرث الحرب الباردة
حتى نهاية عام 2025 كان الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا مازال محتفظاً بملامح حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تشير بيانات مركز “القوى العاملة” بوزارة الدفاع الأمريكية إلى وجود نحو 68 ألف عسكري في الخدمة الفعلية موزعين بشكل دائم على القواعد الأوروبية.
هذا الرقم الضخم، الذي لا يشمل القوات التناوبية أو التدريبات المؤقتة، يتوزع على شبكة لوجستية معقدة تضم 31 قاعدة دائمة و19 موقعاً عسكرياً متاحاً للوصول، ما يمنح القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) قدرة فائقة على التنسيق عبر ست قيادات تخصصية تشمل الجيش والبحرية والقوات الجوية وقوات العمليات الخاصة، وصولاً إلى “قوة الفضاء” التي باتت جزءاً أصيلاً من حماية الأمن القومي في المنطقة.
معاقل “العم سام” في القارة
تظل ألمانيا، رغم قرار الانسحاب الأخير، الركيزة الأساسية للوجود الأمريكي، إذ تحتضن قاعدة “رامشتاين” الجوية الشهيرة، التي تُعد القلب النابض للعمليات الجوية الأمريكية في أوروبا منذ عام 1952.
وبحلول نهاية 2025 كان يتمركز في ألمانيا أكثر من 36 ألف جندي موزعين على خمس حاميات كبرى، أبرزها حامية “بافاريا” التي تعد مركز التدريب الأهم للقوات البرية.
وتأتي إيطاليا في المرتبة الثانية من حيث الأهمية الإستراتيجية بوجود يتجاوز 12 ألف جندي ينتشرون في مواقع حيوية مثل “فيتشنسا” و”نابول” وصقلية، لتشكل مع بريطانيا (التي تستضيف نحو 10 آلاف جندي معظمهم من سلاح الجو) المثلث الذهبي للسيطرة الأمريكية على الأجواء والبحار المحيطة بالقارة.
الزحف شرقاً والوجود التناوبي
في المقابل يبرز نمط جديد من التواجد العسكري في دول “الجناح الشرقي”، مثل بولندا ورومانيا والمجر؛ فرغم ضآلة أعداد القوات الدائمة في هذه الدول مقارنة بألمانيا إلا أنها تشكل مسرحاً لعمليات “الانتشار التناوبي” الكثيف، إذ تستضيف بولندا وحدها نحو 10 آلاف جندي في إطار “مبادرة الردع الأوروبية” عبر قواعد مؤقتة تمنح واشنطن مرونة عالية في التحرك قرب الحدود الروسية.
هذا النهج ذاته الذي يتبعه البنتاغون في رومانيا عبر قاعدة “مخائيل كوجالنيتشيانو” الجوية، ما يشير إلى أن واشنطن قد تفضل مستقبلاً القوات “المرنة” والمتنقلة على القواعد الضخمة الدائمة التي أثقلت كاهل الميزانية الأمريكية لعقود.
هذا التحول في الموقف الأمريكي يضع أوروبا أمام اختبار تاريخي؛ فبينما تسحب واشنطن جنودها كأداة ضغط سياسي تجد القارة نفسها مضطرة لمواجهة تساؤلات صعبة حول قدرتها على حماية أمنها الذاتي بعيداً عن المظلة الأمريكية التي بدأت تتقلص بوضوح.

