قام رئيس الوفد المالي اللواء موسى يورو كينتي بزيارة إلى مديرية التاريخ العسكري لأركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، على هامش اجتماع العمل المنعقد بنادي الضباط من 10 إلى 12 من فبراير الجاري بالرباط، في إطار البرنامج العام للتعاون العسكري الثنائي بين المملكة المغربية وجمهورية مالي.
وقد تضمن برنامج الزيارة عرضًا تفصيليًا حول مهام وأنشطة مديرية التاريخ العسكري، تلته جولة في مختلف أروقتها وفضاءاتها التاريخية التي تسلط الضوء على تاريخ الجيش المغربي وكذا البعد التاريخي للروابط المتجذرة للمملكة وعمقها الإفريقي. كما قام رئيس الوفد المالي بتوقيع الدفتر الذهبي وإلقاء كلمة ختامية عبّر فيها عن “بالغ إعجابه بحفاوة الاستقبال واعتزازه باكتشاف ما يزخر به التاريخ المغربي العريق”.
وتأتي هذه الزيارة في سياق البرنامج العام للتعاون العسكري الثنائي بين المملكة المغربية وجمهورية مالي الذي انطلق بشكل رسمي في فبراير من السنة الماضية مع إنشاء اللجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، حيث انعقد أول اجتماع لهذه اللجنة في العاصمة المالية باماكو في 17 فبراير من السنة نفسها. ويُعتبر ذلك نقطة الانطلاق العملية للشراكة العسكرية المؤطرة بين الرباط وباماكو.
محمد الطيار، الباحث في الدراسات الإستراتيجية والأمنية، قال إن “هذا البرنامج يندرج ضمن رؤية مغربية متكاملة لتعزيز الشراكات العسكرية الإفريقية على أساس نقل الخبرة وبناء القدرات، وليس فقط التعاون العملياتي”.
وأوضح الطيار، أن زيارة وفد مالي لمديرية التاريخ العسكري تحمل دلالة عميقة؛ فهي لا تتعلق بالجوانب القتالية المباشرة، بل ببناء الذاكرة المؤسسية العسكرية، وتطوير آليات التوثيق، واستخلاص الدروس العملياتية، وهي عناصر أساسية في تحديث أي جيش معاصر”.
وفي هذا الصدد، أضاف الباحث في الدراسات الإستراتيجية والأمنية أن “المغرب راكم تجربة مهمة في تنظيم الأرشيف العسكري، وإدارة التاريخ العملياتي، وربط الذاكرة العسكرية بالتخطيط الاستراتيجي؛ وهو ما يشكل قيمة مضافة لمالي في سياق إعادة هيكلة مؤسساتها الأمنية”.
أما على المستوى الثنائي، فقد أكد المتحدث عينه أن هذا التعاون يعكس انتقال العلاقات المغربية المالية من الطابع الدبلوماسي العام إلى شراكة أمنية استراتيجية، لافتا إلى أن “مالي تواجه تحديات أمنية معقدة في الساحل، والتعاون مع المغرب يمنحها دعما مؤسساتيا وتكوينيا بعيدا عن المقاربات الظرفية. في المقابل، يعزز المغرب حضوره كشريك موثوق في غرب إفريقيا، ويكرس صورته كفاعل اقليمي إفريقي مسؤول يسهم في استقرار المنطقة عبر مقاربة شاملة تشمل التكوين والتأطير وبناء المؤسسات”.
وزاد الطيار أن البرنامج يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن التكامل الإفريقي في المجال الأمني ممكن من داخل القارة، دون الارتهان الكامل لشركاء خارجيين؛ بحكم أن مثل هذه المبادرات تعزز بشكل كبير شبكة الثقة بين الجيوش الإفريقية، وتدعم جهود مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود عبر تبادل المعرفة والخبرة. كما يرسخ المغرب موقعه كقطب استقرار اساسي في الساحل وغرب إفريقيا؛ وهو ما ينعكس إيجابا على توازنات المنطقة وعلى مكانته داخل المنظومة الإفريقية والدولية.
من جهته، قال الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، إن “العلاقات العسكرية بين المملكة المغربية وجمهورية مالي تندرج ضمن إطار عقائدي واستراتيجي يتجاوز التعاون الثنائي التقليدي نحو نموذج شراكة أمنية مؤسسة على هندسة القدرات وبناء التماثل المفاهيمي بين المؤسستين العسكريتين، في علاقة تعتبر نموذجية على مستوى القارة الإفريقية”.
وأبرز الروداني، أن التعاون العسكري المغربي المالي يكتسب، في سياق إقليمي يتسم بتفكك المجال الساحل وجنوب الصحراء من خلال تداخل عوامل عديدة للقوى دون الدولة المحدثة للفوضى وتنامي التهديدات الهجينة وتحول الجغرافيا إلى مسرح لتنافسات غير مباشرة، بعدا جيوستراتيجيا يتصل بإعادة إنتاج الاستقرار في القارة عبر أدوات مؤسساتية مستدامة”.
وأضاف الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية أن “التكوين العسكري يشكل على مستوى هيئات الأركان محور الارتكاز في هذه العلاقة، لأن احتضان المؤسسات العسكرية المغربية لعدد من الضباط الماليين لا يُفهم باعتباره دعما تقنيا فحسب؛ بل باعتباره آلية لإعادة تشكيل الرأسمال القيادي داخل المنظومة العسكرية المالية”، مسجلا أن “التكوين يكون هنا هو فعل سيادي ممتد ينقل العقيدة ومنهجية التخطيط وثقافة القيادة المشتركة، ويؤسس لانسجام عملياتي طويل الأمد”.
أما على مستوى وزارتي الدفاع، أوضح المتحدث: “العلاقة تندرج ضمن ما يمكن توصيفه بـ”الشراكة الوظيفية النشطة”، أي القدرة المشتركة على إنتاج أثر أمني قابل للقياس عبر تبادل المعلومات، والتنسيق العملياتي، وتكامل الرؤى تجاه التهديدات العابرة للحدود”، مشددا على أن “هذه الشراكة لا تقوم على منطق الدعم الأحادي؛ بل على مبدأ التمكين المتبادل، واحترام السيادة، وإعادة توزيع الأدوار ضمن فضاء أمني مشترك”.
واعتبر الروداني أن “المحور المغربي المالي يشكل، في ظل إعادة تشكل التوازنات في الساحل الإفريقي، تجسيدا لمقاربة جنوب – جنوب تقوم على بناء القدرات الذاتية بدل الارتهان للوساطات الخارجية”، مشيرا إلى أن “المغرب يوظف خبرته التراكمية في مكافحة الإرهاب وتأمين المجالات الحيوية ضمن رؤية تمكينية؛ بينما يجد مالي في هذا الإطار رافعة لإعادة هيكلة ذاته عسكريا وتعزيز احترافيته المؤسساتية”.

