قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع اللجنة المعنية بالتعاون العسكري مع الدول الأجنبية، نهاية الأسبوع الماضي، إن “روسيا زودت أكثر من 30 دولة في العالم بالمنتجات العسكرية خلال العام الماضي، مسجلة صادرات بلغت قيمتها أكثر من 15 مليار دولار”، مبرزا أن “هناك أكثر من 340 مشروعا للتعاون التقني والعسكري يجري تنفيذها أو دراستها حاليا مع 14 دولة”.
وأوضح رئيس “الكرملين” خلال هذا الاجتماع الذي حضره مسؤولون عدة، من بينهم نائب رئيس مجلس الأمن القومي، ديمتري ميدفيديف، ومدير جهاز المخابرات الخارجية، سيرجي نارشكين، أن “المشروع الفيدرالي الجديد لتطوير التعاون العسكري-التقني الروسي مع الدول الأجنبية يعرف إدخال تدابير دعم إضافية”، مشددا على “أهمية فتح آفاق جديدة لتعميق التعاون العسكري مع دول من مناطق أخرى حول العالم، بما في ذلك الدول الأفريقية”.
وقال: “نحن نقدر بصدق علاقاتنا التاريخية القوية والصديقة المبنية على الثقة مع دول أفريقيا. ففي أعوام مختلفة، قام الاتحاد السوفيتي، ولاحقا روسيا، بتزويد الدول الأفريقية بكميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية، وتدريب المتخصصين على إنتاجها وتشغيلها وصيانتها، بالإضافة إلى إعداد الكوادر العسكرية. واليوم، ورغم ضغوط الغرب، يعبر الشركاء الأفارقة عن استعدادهم لتوسيع علاقاتهم مع روسيا في المجال العسكري”.
من جهة أخرى، يؤكد مهتمون أن أي توجه مغربي محتمل نحو تعزيز التعاون العسكري مع موسكو يجب أن يُقاس بمنطق تنويع الشراكات الدفاعية الذي تعتمده الرباط منذ سنوات، باعتباره خيارا استراتيجيا يهدف إلى تقليص التبعية لمصدر واحد وتعزيز هامش الاستقلالية في القرار العسكري، دون أن يعني ذلك تحولا في التحالفات أو اصطفافا ضمن محور دولي بعينه، معتبرين في الوقت ذاته أن المغرب ينظر إلى سوق السلاح الدولية بمنطق براغماتي قائم على الفعالية الميدانية والتكامل العملياتي.
عقيدة دفاعية
قال عبد الرحمن مكاوي، باحث في الشؤون العسكرية، إن “موسكو تسعى بوضوح إلى توسيع شراكاتها الدفاعية، خاصة مع الدول الإفريقية، في إطار توجه روسي يهدف إلى فتح آفاق أوسع للتعاون الصناعي والدفاعي مع دول القارة، بما يخدم المصالح الاستراتيجية لروسيا ويعزز حضورها في الأسواق الدولية للسلاح”.
وأضاف مكاوي، أن “المغرب يعد فاعلا مهما في هذا السياق، بحكم امتلاكه ترسانة عسكرية متنوعة المصادر، من بينها معدات ومنظومات ذات أصل روسي”، مؤكدا في الوقت ذاته أن “أي انفتاح محتمل للمغرب على مزيد من التعاون مع روسيا ينسجم مع عقيدته الدفاعية القائمة على تنويع مصادر التسلح، كما يتماشى مع طبيعة العلاقات الدبلوماسية والسياسية المتوازنة التي تربط الرباط بموسكو”.
وتابع بأن “التعاون العسكري المغربي-الروسي لا يطرح من الناحية التقنية أي إشكالات كبرى، نظرا لما تتوفر عليه الكفاءات والهندسة العسكرية المغربية من قدرة على استيعاب والتعامل مع التكنولوجيا العسكرية الروسية، بما في ذلك صواريخ إسكندر وكينجل ومنظومات الدفاع الجوي إس-400 وحتى إس-500″، معتبرا أن “التدابير المالية والتقنية التي أعلنت عنها القيادة الروسية قد تشجع على توطين جزء من هذه الصناعات في المغرب، ما يخلق قيمة مضافة على مستوى التشغيل، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الوطنية”.
وبين المتحدث ذاته أن “المنظومات العسكرية الروسية التي قد تهم المغرب نظريا هي الصواريخ الباليستية والأقمار الصناعية وصناعة الفضاء، وكذلك قطاع الغيار والمدافع طويلة المدى، إلى جانب منظومات الأمن السيبراني؛ إذ تمتلك روسيا منظومات معلوماتية متطورة جدا على هذا المستوى”.
وخلص مكاوي إلى أن “الرباط لا تقدم على أي خطوة أو صفقة تتناقض مع التزاماتها الجيو-سياسية، وحتى علاقاتها المتوازنة مع كل القوى الدولية تمنحها هامش مناورة أكبر دون الانجرار إلى صراعات أو اصطفافات ذات طابع سياسي أو استراتيجي، عكس بعض الدول الأخرى”.
هامش مناورة
أوضح هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن “أي انفتاح مغربي، ولو نظري، على منظومات روسية يجب أن يُقاس أولا بميزان العقيدة العملياتية للمملكة، التي تطورت خلال العقدين الأخيرين حول قابلية التشغيل البيني مع المنظومات الغربية، خصوصا الأمريكية والأوروبية. هذه البنية لا تتعلق بالسلاح كقطعة منفردة، بل بمنظومة ‘نظم داخل نظم’ تشمل الاتصالات، تعريف صديق/عدو، شبكات بيانات تكتيكية، لوجستيات صيانة، وعقيدة تدريب”.
وأضاف معتضد أن “إدخال منصات روسية في هذا النسيج يخلق تحديا بنيويا، لأن الفلسفة الهندسية الروسية في الدمج الشبكي والبرمجيات المغلقة تختلف جذريا عن معايير الناتو المفتوحة نسبيا. ومن الناحية التقنية البحتة، المجالات التي قد تبدو مغرية نظريا ليست الطائرات القتالية أو أنظمة القيادة والسيطرة، حيث يمتلك المغرب تفوقا تكامليا غربيا، بل قطاعات ‘الأطراف’ ذات الحساسية السياسية الأقل، مثل بعض طبقات الدفاع الجوي قصير المدى، أنظمة الحرب الإلكترونية التكتيكية، أو قدرات مضادة للمسيّرات، وهذه المجالات تسمح للدول أحيانا بالاستفادة من تنوع الموردين دون المساس بالعمود الفقري للشبكات القتالية”.
وذكر أن “المعضلة الكبرى ليست في الأداء الفردي للمنظومة، بل في ‘كلفة التكامل مدى الحياة’، فكل نظام غير غربي يُدخل طبقة لوجستية موازية، سلاسل قطع غيار، تدريب فنيين، برمجيات صيانة، وعقود دعم طويلة الأمد. هذا يخلق ما يسميه مخططو الدفاع ‘أرخبيلا لوجستيا’ داخل جيش واحد، يقلل الكفاءة ويزيد الهشاشة في الأزمات. الجيوش الحديثة تسعى لتقليل التنوع لا زيادته، لأن الحرب الشبكية تعاقب التعقيد غير المُدار”.
وبين أن “الدول المتوسطة الذكية تملك هامش مناورة عبر ما يمكن تسميته ‘دبلوماسية التوازن التقني’، أي استخدام التنافس الدولي لتحسين شروط التعاقد، نقل المعرفة، التصنيع المحلي الجزئي، أو الحصول على أسعار أفضل، دون كسر الاصطفاف الاستراتيجي العام.
النجاح هنا يتطلب شفافية محسوبة مع الشركاء الرئيسيين، وحصر أي تعاون خارج المنظومة الغربية في مجالات لا تمس الشبكات السيادية أو البيانات العملياتية”.
وتابع بأن “هناك أيضا بُعد السمعة الصناعية؛ ففي زمن تتزايد فيه القيود على المكونات الإلكترونية وسلاسل التوريد، ترتبط بعض المنظومات الروسية بعدم يقين حول الاستدامة طويلة الأمد، خصوصا تحت ضغط العقوبات. وبالنسبة لدولة تبني تخطيطها الدفاعي على أفق عقود، فإن المخاطر المتعلقة بتوافر التحديثات والقطع قد تتجاوز أي ميزة سعرية أولية”.
وسجل معتضد أن “المغرب يستطيع نظريا الاستفادة من التنافس في سوق السلاح لتعزيز شروطه التفاوضية، لكن المجال الآمن لذلك ضيق ومحصور في قدرات طرفية قابلة للعزل تقنيا وسياسيا، لذلك فإن الحفاظ على التفوق لا يعني فقط امتلاك منصة متقدمة، بل ضمان أن كل مكوّن في المنظومة يخدم شبكة واحدة متماسكة، وهذا هو المعيار الذي سيحدد جدوى أي انفتاح محتمل”.

