قال حقوقيون مغاربة إن التوافق على مشروع خارطة طريق جديدة لتنزيل ورش الجهوية المتقدمة تتضمن 97 آلية إجرائية؛ من ضمنها 35 آلية تندرج ضمن برنامج ذي أولوية، “يخدم إعادة تحيين مقترح الحكم الذاتي المغربي ويضمن العدالة المجالية”، شريطةَ أن “يتم ذلك بشكل توافقي، يشرك الساكنة المعنية في مختلف جهات المملكة إشراكا حقيقيا، بما يضمن لبلادنا تحقيق العدالة الاجتماعية”.
وأضاف الحقوقيون أن “نجاح هذه الخارطة يظل رهينا بتوفير الموارد الكافية”، إلى جانب “تعزيز آليات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن انتقال الجهوية المتقدمة إلى ممارسة فعلية تنعكس إيجابا على التنمية المحلية وتقليص الفوارق بين الجهات”، وتكرّس “مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار وتحقيق التنمية المستدامة”.
وتندرج الآليات التي تمت المصادقة عليها ضمن برنامج ذي أولوية، موزعة على أربعة محاور استراتيجية، حيث وضح بلاغ لوزارة الداخلية توصلت به هسبريس أن “هذه المحاور الأربعة تهم تعزيز الاستثمار المنتج لدعم التشغيل وتطوير البنيات التحتية والخدمات الأساسية في الوسطين الحضري والقروي، وترشيد تدبير الموارد المائية والطاقية والبيئية، إلى جانب تعزيز التأهيل الترابي المندمج”.
“تقوية ورش”
أفاد عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، بأن الخارطة المقترحة “تكتسي أهمية في سياق إعداد البرامج الترابية الجديدة، كما حددها خطاب العرش لسنة 2025، حيث تساهم في تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر توزيع أفضل للموارد والفرص بين الجهات”، مسجلا أننا “في سياق مشروع لا يقل أهمية، والمتعلق بالحكم الذاتي بجهتي الساقية الحمراء ووادي الذهب”.
ويرى الخضري أن هذا المشروع “يتعزز بفضل الجهوية الموسعة، كإطار عملي للتدبير المحلي الديمقراطي، يعكس المبادرة المغربية كحل سياسي مستدام يجمع بين السيادة والتنمية الذاتية”، معتبرا في الوقت نفسه أن “تفعيل مبدأ الديمقراطية الجهوية يظلّ شرطا أساسيا لنجاح الإصلاح، بما يشجع على تجديد النخب وجذب الكفاءات النظيفة إلى المشهد السياسي؛ من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة والشفافية”.
وقال رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان: “من بين الإنجازات المرحلية الإيجابية، نجد إعداد جميع الجهات الـ12 لتصاميمها الترابية وبرامج تنميتها، مع تحقيق تحويلات مالية قياسية بنسبة 100 في المائة في 2025؛ مما يعكس تقدما ملموسا رغم التحديات”.
واستدرك الحقوقي ذاته موضحا: “ومع ذلك، فإن أن صياغة الخارطة داخل أروقة وزارة الداخلية من شأنها أن تثير تساؤلات حول استمرار المنطق المركزي، الذي يتناقض مع فلسفة الجهوية الموسعة كتحول جذري في بنية الدولة نحو اللامركزية الفعالة”.
وكان من الأجدى، وفق ما أفاد به الخضري هسبريس، “فتح ورش وطني تشاركي واسع، يشمل المجتمع المدني والنخب المحلية، لضمان توافق وطني صلب يعزز التنمية المستدامة والابتكار الرقمي كما أكدت الرسالة الملكية”، مشددا على أن “التحدي الرئيسي يبقى في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري وتمويل الجهات لتجنب تحول الخارطة إلى مجرد إعلانات دون تنفيذ”.
وخلص رئيس المركز سالف الذكر إلى أن “الرهان الحقيقي لخارطة الطريق لا يكمن في صياغة المخططات الإدارية من الناحية التقنية وتنزيلها؛ بل في الجرأة السياسية على القطع مع منطق الوصاية المركزية”، موردا أن “الجهوية المتقدمة إما أن تفعل كخيار استراتيجي يعيد توزيع السلطة والثروة، أو تفرغ من مضمونها وتختزل في برامج ممركزة بأدوات جديدة؛ وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل العدالة المجالية ومصداقية الإصلاح الترابي بالمغرب”.
“أسئلة مشروعة”
قال عادل تسيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن الأمر يتعلق بإعلان مؤسساتي ضمني عن اتخاذ تدابير ستعتبر فيما بعد قاعدة لتصريف مجموعة من البرامج والسياسات والمشاريع الكبرى من قبيل الحكم الذاتي على مستوى أقاليمنا الجنوبية. كما يمكن اعتباره لحظة كاشفة عن الكيفية التي تُفكَّر بها الدولة في العلاقة بين السلطة والتنمية والحقوق داخل المجال الترابي.
وأضاف تشيكيطو، أن “الجهوية المتقدمة، في جوهرها، يجب ان تكون تمرينا فعليا لمدى انتقال الحقوق من مستوى الإعلان إلى مستوى النفاذ، ومن المركز إلى المجال اليومي لحياة المواطنين”.
وأورد رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان أن “الحديث عن خارطة طريق جديدة، تضم عددا كبيرا من الآليات الإجرائية، يوحي من حيث الشكل بإرادة التسريع والتدارك؛ لكنه يطرح من حيث الجوهر سؤال الفعالية الحقوقية”.
ووضح الفاعل الحقوقي متسائلا: “هل تُقاس هذه المرحلة بكثافة الآليات أم بقدرتها على معالجة الاختلالات البنيوية التي جعلت الجهوية، طيلة سنوات، وعدا أكثر منها ممارسة؟”، وتابع: “إن التنمية الترابية، التي لا تُربط صراحة بمبدأ الإنصاف المجالي، قد تكون سببا في إعادة إنتاج الفوارق المجالية بدل تقليصها، خاصة إذا بقيت الجهوية في مفهومها العام عبارة عن آليات وتدابير محدودة أو وسيط إداري غير محفز وفاعل حقوقي مستقل القرار”.
وأفاد المتحدث بأن “المحاور الاستراتيجية المعلنة، بما تحمله من تركيز على الاستثمار والبنيات التحتية والموارد الطبيعية، تلامس حقوقا أساسية غير قابلة للتجزيء: الحق في الشغل، والحق في الخدمات، والحق في الماء والطاقة والبيئة السليمة”، مبرزا أن “المقاربة الحقوقية تفرض الانتقال من منطق الدعم والتأهيل إلى منطق الالتزام والمساءلة”.
وخلص عادل تسيكيطو إلى أن “المواطن في الوسط القروي أو في الهوامش الحضرية لا يحتاج إلى خطاب حول الجاذبية الترابية بقدر ما يحتاج إلى ضمانات فعلية لوصوله المتكافئ إلى الخدمات وحمايته من آثار الاختيارات الاقتصادية غير المتوازنة، خصوصا في ما يتعلق بالموارد المائية والطاقية التي باتت تمسّ جوهر الحق في الحياة الكريمة”.

