تتوالى في العقدين الأخيرين الاكتشافات الأثرية بالمغرب، التي تغيّر نتائج فحصها ودراستها من فهم تاريخ الإنسان، فردا وجماعة، ويشرف عليها علماء آثار مغاربة، خاصة من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الثقافة، وجامعات مغربية، وعلماء آثار وتخصصات أخرى من جامعات عالمية بارزة، من بينها-على سبيل المثال لا الحصر-جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية بلايبزيغ في ألمانيا، وجامعة هارفارد بالولايات المتحدة.
ومع توالي الاكتشافات التي تهم فترات تشمل الإسلامية والرومانية والمورية، أعلن عن أحدث الاكتشافات في السنة الجديدة 2026، ويهم ما قبل تاريخ الإنسان العاقل، حيث خلص بحث شارك فيه 29 عالما للآثار والأركيولوجيا وطبقات الأرض، نشرت نتائجه في مجلة “نايْتشر” العلمية، إلى أن مغارة في قلب مدينة الدار البيضاء تحمل بقايا سلف مشترك محتمل بين “الإنسان العاقل” و”النيوندرتال” يؤرخ بـ773 ألف سنة.
وتوالت قبل هذا الاكتشاف اكتشافات همت-على سبيل المثال-أقدم إنسان عاقل للبشرية في “جبل إيغود”، وأقدم حلي في العالم في “بيزمون” بالصويرة، وأقدم مركب زراعي تم توثيقه في إفريقيا خارج وادي النيل بنواحي الخميسات، وأقدم استعمال للأعشاب في التداوي وتخزين حبوبها، وأقدم عملية جراحية، وأقدم آثار للاستقرار الإنساني، وهي اكتشافات يواكبها تطور في البنية التحتية للبحث والتكوين في علم الآثار، حيث تستمر في السنة الجديدة 2026 أشغال وزارة الثقافة لتوسعة مقر المعهد الوطني لعلوم الآثار بالرباط، والاستثمار في تجهيزاته ومكتبته العلميّتين، مع إعداد مقر مختبر علمي غير مسبوق يمكن من مواكبة دقيقة لدراسة اللُّقى الأثري، ونقل الخبرات عبر الأجيال أيضا.
ما الذي يعنيه الاكتشاف الجديد؟
أحدث محطات ثمار البحث الأثري في المغرب ما أعلن عنه برنامج “ما قبل التاريخ بالدار البيضاء”، الذي يعمل في إطار تعاون بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، بمشاركة باحثين من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، كوليج فرنسا، معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية بألمانيا، جامعة مونبلييه بول فاليري بفرنسا وجامعة الدراسات بميلانو بإيطاليا.
ودرس العلماء أحفورات بشرية اكتشفت في مغارة البقايا البشرية داخل مقلع طوما 1 بالدار البيضاء، أقدم المواقع الأثرية بالمغرب، وتشمل اللقى المتحجرة المكتشفة “فكي شخصين بالغين، وفكا لطفل، بالإضافة إلى بقايا أسنان، وبقايا ما بعد الجمجمة”، وما يميزها هو جمعها “بين الخصائص القديمة الملحوظة في الإنسان منتصب القامة، والسمات المشتقة الأكثر حداثة” التي تذكر بالإنسان العاقل المكتشف بجبل إيغود مثلا.
ومكن “التحليل المغناطيسي الطبقي، الذي يتميز بدقة لا مثيل لها بالنسبة لموقع أدى إلى اكتشاف بقايا بشرية، من تأريخ هذه الأحافير بصفة جد دقيقة”، موفرا بالتالي “أحد أكثر الأعمار دقة وموثوقية لموقع تم العثور فيه على بقايا بشرية” بـ 773 ألف سنة.
وتوثق نتائج الاكتشاف “مجموعات بشرية لا تزال غير معروفة جيدًا بالنسبة لهذه الفترة الحاسمة، التي تقع بين الأشكال القديمة والسلالات الحديثة”، مالئا بذلك “فراغا كبيرا في السجل الأحفوري الإفريقي، في وقت عرف، حسب المعطيات الجينية القديمة (الباليوجينية)، الانفصال بين السلالة الإفريقية التي أدت إلى ظهور الإنسان العاقل”، وبين سلالات القارة الأوروآسيوية التي أدت إلى ظهور النياندرتال والدينيسوفان.
ما الذي يفسر الفورة العلمية الأخيرة؟
يجيب عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، عن أسباب ما يرى من فورة علمية في السنوات الأخيرة بأنها في حقيقة الأمر “ثمار تُجنى لأربعة عقود من التراكم البحثي في علم الآثار بالمغرب”.
وقدم بوزوكار مثالا بأقدم إنسان عاقل في العالم وُجد بالمغرب، ليوضّح أن “علم الآثار يتطلب وقتا طويلا وإمكانيات مادية كبيرة”؛ فقد “انطلقت الأبحاث في الستينيات، وعامل بسيط من اكتشف الجمجمة؛ هو سّي (السيد) الفاطمي، وليس عالم أركيولوجيا، وقدّم الجمجمة لطبيبٍ، لاحظ حجمها غير الطبيعي، وعرضها على معهد البحث العلمي بالرباط، حيث أقرّ باحث آخر بأنها قديمة (…) فهذا تراكم إذن نستفيد منه، وصولا إلى سنة 2017 تاريخ النشر العلمي، الذي قدّم نتائج أبحاث انطلقت في سنة 2004، بمعنى أن ما نقوم به ونعيشه الآن هو ثمرة أبحاث مضنية في مواقع مختلفة”.
وأضاف: “طفرة البحث الأركيولوجي في المغرب تظهر حيوية التخصص بالبلاد، بفضل الأساتذة والباحثين والطلبة في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الشباب والثقافة والتواصل، المتخصصين في حقل علمي يسهم في تأكيد حقائقَ، وإعادة النظر في أخرى، وإعادة كتابة التاريخ؛ فقد كشفت الأبحاث الأركيولوجية عن فصول غير معروفة في تاريخ المغرب (…) مع وجوب الاحتياط العلمي اللازم؛ لأن الاكتشافات العلمية المقبلة قد تعيد النظر في هذا المعطى أو ذاك عالميا. لكن ساهمت الأبحاث الأركيولوجية في فهم أعمق، يسهم في كتابة أو إعادة كتابة فصول غير معروفة من تاريخ المغرب”.
كما وضح عالم الآثار أن من المؤثرات المهمة في النتائج، استعمال أحدث تقنيات التأريخ العلمي، مقدما مثالا بـ”القفزة” التي حدثت بين زمن “الاعتماد على الكاربون 14 في التحقيب”، ثم “الاعتماد على تقنيات أخرى”؛ فكانت النتيجة أن “المواقع نفسها زاد عمرها ثلاث مرات، مع ما رافق ذلك من جهد هائل لإعادة كتابة ما كتبناه”.
عالم الآثار عبد الرحيم محب، المشرف على الاكتشاف الأثري المعلن بالدار البيضاء حول ما قبل الإنسان العاقل، أكد على أهمية معطى تقنيات التأريخ العلمي، وتأثيرها في الضبط الزمني للنتائج، مع إضافته معطيات إضافية.
ومن بين هذه المعطيات المفسرة أنه “قبل عشرين سنة كان نشر نتائجنا العلمية يتم باللغة الفرنسية فقط، فلم تكن تأخذ حيزها في المجتمع العلمي القارئ بالإنجليزية، ومع تغير استراتيجية المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، ومديرية التراث بوزارة الثقافة”، بدأ النشر باللغة العلمية الأكثر قراءة وانتشارا؛ مما أبرز “دور إفريقيا الشمالية في فهم ومعرفة التطور البشري”.
ما الذي تعنيه الاكتشافات المغربية للعلم؟
في ضوء توالي الاكتشافات العلمية لعلماء آثار مغاربة وأجانب بالمغرب، اقترح عالم الآثار عبد الجليل بوزوكار اعتماد تحقيب جديد لعصور ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، وهو ما سبق أن طرحه في مؤتمر لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، خصص لتكريم العالم الراحل إيف كوبانس، ونقلت هسبريس تفاصيله.
عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط عضو اللجنة العلمية العالمية لمتحف أنثروبولوجيا ما قبل التاريخ بإمارة موناكو الأوروبية، وضح في تصريح لهسبريس أن التحقيب المقترح للعصور الحجرية القديمة بشمال إفريقيا “قراءةٌ جديدة لتحقيب عصور ما قبل التاريخ بهذه المنطقة، تنبثق عن آخر ما تم التوصل إليه من نتائج علمية، وتُبنى بشكل كبير على المعطيات التي جاءتنا من المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد ما شهده من كثافة في البرامج والأبحاث الأثرية كمّا ونوعا”.
وتابع بوزوكار: “تهدف هذه القراءة إلى حصر التاريخ الكرونولوجي للعصور، والشواهد المادية التي أنتجها مختلف الأقوام والمجموعات البشرية المتعاقبة على المغرب وشمال إفريقيا؛ فقد حان الوقت، بدون شوفينية، للتخلي عن تقسيمات ورثناها من فترة وجود الحماية أو الاستعمار. ويمكننا، اليوم، الحديث عن مدرسة شمال إفريقية، ومغربية بالتحديد”.
وواصل عالم الآثار المغربي شارحا: “التقسيمات التي كانت مشابهة قليلا لما يجري بأوروبا كانت تقدم شمال إفريقيا وكأنها مجرّد امتداد لما في أوروبا وأجزاء من الشرق الأوسط؛ لكن لنا الآن تقسيم أكثر إفريقية ومحلية، بناء على ما اكتشف أثريا (…) أثره الأكبر في فترات، مثل فترة ما بين 300 ألف سنة إلى 145 ألف سنة، التي كانت فترة زخم؛ وهو زخم أثّر في محيط إفريقيا كاملة وأجزاء كبيرة من الشرق الأوسط”.
وزاد المتحدث ذاته: “الفترة الموالية، أي ما بعد 145 ألف سنة، كثُرت فيها الاكتشافات الموثّقة والمحددة في الزمن الكرونولوجي؛ ومنها مثلا الحلي، التي تثبت لنا أنه ليس لنا هنا فقط أقدم إنسان عاقل (جسدا) بل أقدم إنسان عاقل ثقافيا أيضا، لأنه ترسّخ هنا وبدأ ينتشر في القارات، وبالتالي حتى إنتاجه (المادي) له تأثير فاق حدود القارة”، كما أن من أهم الفترات التي ينبغي أن يطالها التدقيق: “الفترة ما بعد 22 ألف سنة، التي عرفت حضارة حُدّدت في الفترة الكولونيالية. ولنلاحظ الاسم الذي سُمِّيَت به: ‘الإيبيرو-موريسية’؛ فهو يستبطن تأثيرا إيبيريا (إسبانيا والبرتغال الحالية) على المور المحليين. ونحن الآن بصدد تنظيم مؤتمر لإعادة التسمية، لا لهذه الفترة فقط بل تغيير تسمية العديد من المصطلحات؛ لأن لها حمولات كبيرة”.
وزاد عالم الآثار المغربي: “هذه الفترة ما بعد 22 ألف سنة عرفت بشمال إفريقيا أقدم عملية جراحية في العالم، وأقدم آثار استقرار، أي اختيار الإنسان نمط العيش المستقر وتخليه تدريجيا عن نمط الترحال”، مشددا على أن “مثل هذه الاكتشافات وفرت معطيات ووقائع تاريخية تخالف ما كان معروفا في السابق عن المركز المؤثِّر في فترة من الفترات والمناطق المتأثّرة؛ مما يتطلب إعادة النظر في التحقيب المحكوم بمعطيات سابقة”.

