تكشف المعطيات المتداولة عبر منصات مقربة من جبهة البوليساريو عن استعداد القيادة لإعلان العودة إلى احترام اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 تحت إشراف الأمم المتحدة، وذلك بعد خمس سنوات من خرقه عقب أحداث الكركرات، ووفق هذه المعطيات، فقد صدرت أوامر داخلية إلى قادة النواحي العسكرية بوقف مختلف الأنشطة الاستفزازية قرب الجدار الأمني، في ظل التحركات المكثفة التي يقودها المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا لتهيئة الظروف الملائمة لاستئناف المشاورات المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 2797.
وفي الوقت نفسه، برزت تصريحات من داخل الجبهة تنفي وجود أي تغيير في موقفها، ما يعكس ارتباكا واضحا ومحاولة لاحتواء حالة السخط داخل مخيمات تندوف، حيث تتزايد مظاهر الاحتقان بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية واستمرار الجمود السياسي.
ويرى مراقبون أن تضارب مواقف الجبهة يعكس هشاشة بنيتها القيادية وتنامي الشرخ بين أجنحتها، خصوصا في ظل العزلة الدولية التي تواجهها، والتي جعلت خطابها التقليدي متجاوزا على المستوى الأممي. كما تشير القراءة السياسية لهذه التطورات إلى أن خطوة العودة لاحترام الاتفاق تعكس واقعا جديدا فرضته النجاحات الدبلوماسية المغربية المتلاحقة، وخاصة تنامي الاعتراف الدولي بجدية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد واقعي لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وفي ظل هذا السياق، تبدو قيادة البوليساريو مضطرة لإعادة تموقعها والعودة إلى مسار التهدئة، بعد سلسلة من الإخفاقات التي جعلت استمرارها في نهج التصعيد أمرا غير قابل للاستدامة، خصوصا في ظل مضامين القرار الأممي الأخير الذي ينص على ضرورة توفير بيئة آمنة لإطلاق المفاوضات المباشرة.
وفي هذا الإطار، أكد عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكاووتش”، أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 حدد بشكل واضح الالتزامات الأمنية للأطراف، مشيرا إلى أن اعتماد مبادرة الحكم الذاتي كمرجع أساسي للمفاوضات المرتقبة يمثل خطوة حاسمة لضمان نجاعتها، وأضاف أن النزاع في الصحراء المغربية، الممتد منذ انسحاب إسبانيا عام 1975، تسبب في نزوح قسري وتوترات إقليمية، وأن الاستفتاء على تقرير المصير تعثر بسبب العراقيل التي وضعتها البوليساريو والجزائر حول اللوائح الانتخابية.
وأوضح أن التصعيد الذي قامت به الجبهة سنة 2020 أدى إلى انهيار وقف إطلاق النار بشكل أحادي، مما كاد يعصف بآفاق السلام، مؤكدا أنه لا يمكن إطلاق أي مسار تفاوضي دون التزام صريح بوقف الأعمال العدائية من طرف الجبهة والدولة الحاضنة لها.
كما شدد نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية، المقترحة عام 2007، تزداد حصدا للدعم الدولي باعتبارها مقترحا واقعيا يضمن استقرار الإقليم ويحمي حقوق السكان، واعتبر أن الأنباء المتداولة حول استعداد الجبهة لوقف عملياتها العسكرية تمثل شرطا أساسيا لاستئناف المسار التفاوضي.
من جانبه، أوضح الفاعل السياسي والباحث في التاريخ المعاصر دداي بيبوط أن الأقاليم الجنوبية عانت طيلة عقود من الهجمات التي شنتها الجبهة بدعم خارجي، ما تسبب في موجات نزوح نحو مخيمات تندوف لا تزال آثارها قائمة، وأضاف أن اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1991، الذي تم برعاية المينورسو، أتاح استقرارا نسبيا دام لثلاثة عقود وساهم في تحسين الأوضاع الإنسانية وتنمية المنطقة، غير أن أحداث الكركرات سنة 2020 أعادت التوتر وأدت إلى انهيار الهدنة.
وبيّن أن هذه الاعتداءات، رغم انخفاض وتيرتها، أضعفت قدرة البعثة الأممية على إنجاز مهامها، مؤكدا أن استعادة وقف إطلاق النار تمثل شرطا جوهريا للعودة إلى المفاوضات طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 2797.
وأشار بيبوط إلى أن الرسائل الأممية الموجهة إلى قيادة الجبهة تعكس إرادة المجتمع الدولي في الدفع نحو حل سياسي مبني على مبادرة الحكم الذاتي المغربية، معتبرا أن استدامة وقف إطلاق النار ضرورية لاستئناف العملية الدبلوماسية وتعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الأمن والتنمية والمشاريع الاقتصادية.
وختم بالتأكيد على أن تجاوز الخلافات بين المغرب والجزائر وإرساء هدنة دائمة يعد مفتاحا لإعادة بناء الثقة وإطلاق مسار تفاوضي جاد يفضي إلى حل نهائي ودائم للنزاع، بما يعزز الأمن والاستقرار في منطقة شمال غرب إفريقيا كاملة.

