موسكو والرباط.. شراكة متنامية وموقف روسي ثابت من قضايا المنطقة

أكد إيغور أليكسييفيتش بيليايف، سفير روسيا الاتحادية لدى المغرب، أن العلاقات المغربية الروسية تواصل مسارها التصاعدي، في ظل ما وصفه بأسس تقوم على الاحترام المتبادل والثقة ومراعاة المصالح المشتركة، إلى جانب التوافق بشأن مبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بالقانون الدولي.

وقال بيليايف، في أول حوار مطول له مع وسيلة إعلامية مغربية منذ تعيينه سفيرا لدى الرباط في 19 ماي الماضي، إن زيارة الملك محمد السادس إلى روسيا سنة 2016 شكلت محطة مفصلية في تطور العلاقات بين البلدين، وأسهمت في وضع أسس شراكة استراتيجية واسعة.

وأوضح الدبلوماسي الروسي أن الرباط وموسكو تمكنتا، رغم المتغيرات الجيوسياسية الدولية، من الحفاظ على حوار سياسي متواصل وعلى مستويات متعددة، بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون الثنائي.

وسجل أن العلاقات الاقتصادية والتجارية تعرف بدورها منحى إيجابيا، مشيرا إلى أن روسيا تعد من أبرز موردي الحبوب إلى السوق المغربية، فيما يحتل المغرب موقعا مهما ضمن شركاء موسكو في إفريقيا والعالم العربي، خصوصا في مجال المنتجات الفلاحية، وفي مقدمتها الحمضيات والطماطم والخضر والفواكه.

وأضاف أن حجم الإمكانات المتاحة أمام البلدين يتجاوز ما تحقق فعليا، مبرزا اهتمام موسكو بتوسيع التعاون ليشمل قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والاقتصاد الرقمي والاستثمار والتكنولوجيا والصيد البحري والسياحة والتعليم والبحث العلمي والثقافة.

وفي الجانب الأكاديمي، أشار بيليايف إلى تزايد أعداد الطلبة المغاربة في الجامعات الروسية، حيث تجاوز عددهم 4200 طالب مع نهاية سنة 2025، معتبرا ذلك مؤشرا على تنامي العلاقات الإنسانية والعلمية بين البلدين.

وبشأن السياسة الروسية تجاه إفريقيا، أوضح السفير أن موسكو تنظر إلى القارة باعتبارها أحد المراكز الأساسية في النظام العالمي متعدد الأقطاب، وتسعى إلى تطوير علاقاتها مع دولها على أساس المساواة واحترام السيادة والمصالح الوطنية.

وفي هذا السياق، اعتبر بيليايف أن المغرب يحظى بمكانة خاصة في الرؤية الروسية تجاه إفريقيا، بالنظر إلى استقرار اقتصاده وتطور بنيته التحتية وإمكاناته الصناعية والمالية، فضلا عن حضوره داخل الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وموقعه كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين والشرق الأوسط.

وأكد أن موسكو تنتظر مشاركة مغربية فاعلة في القمة الثالثة «روسيا–إفريقيا»، المقرر عقدها في موسكو خلال أكتوبر من السنة المقبلة، والتي ستتناول ملفات من بينها الأمن الغذائي والطاقة والتحول الرقمي والصحة والتعليم والنقل والاستثمار.

وفي ما يخص قضية الصحراء، جدد السفير الروسي التأكيد على موقف بلاده الداعي إلى التوصل إلى تسوية سياسية ودبلوماسية في إطار المسار الأممي، مشيرا إلى الدور الذي يضطلع به مجلس الأمن والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة وبعثة «المينورسو» في دعم العملية السياسية والبحث عن حل مقبول.

وأوضح أن إحراز تقدم في هذا المسار يظل رهينا بتوفير مناخ إيجابي وبناء يقوم على الاحترام المتبادل واستعداد الأطراف للبحث عن حلول وسط، معربا عن ترحيب موسكو بالجهود الرامية إلى إعادة إطلاق العملية السياسية وتشجيع الحوار المباشر.

أما بخصوص العلاقات المغربية الجزائرية، فأكد بيليايف أن روسيا تحرص على الحفاظ على علاقات تعاون وصداقة مع مختلف دول المنطقة المغاربية، ولا تنظر إلى تطوير علاقاتها مع أي دولة باعتباره موجها ضد دولة أخرى.

وأضاف أن موسكو لا ترغب في الانخراط كطرف في الخلافات الإقليمية، لكنها تؤيد المبادرات الدولية الرامية إلى خفض التوتر وبناء الثقة وترسيخ حسن الجوار، بما يحافظ على شمال إفريقيا كمنطقة للسلام والاستقرار والتعاون والتنمية.

وشدد السفير على أن روسيا لا تسعى إلى لعب دور الوسيط ما لم تطلب الأطراف المعنية ذلك، مؤكدا أن الخلافات القائمة ينبغي معالجتها عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية والحوار المباشر، بعيدا عن الضغوط والتدخلات الخارجية.

وفي ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، أشاد بيليايف بالموقف المغربي، واصفا إياه بالمستقل والمتوازن والمحايد، ومؤكدا احترام موسكو لحق الدول في تحديد توجهاتها الخارجية انطلاقا من مصالحها الوطنية.

وفي المقابل، حمّل السلطات الأوكرانية والدول الغربية الداعمة لها مسؤولية ما اعتبره تدهورا في أمن الملاحة بالبحر الأسود وبحر آزوف، معتبرا أن استهداف السفن المدنية ومنشآت النقل قد يؤثر على حركة الإمدادات الدولية من الحبوب والمنتجات الفلاحية، بما فيها المتجهة إلى دول شمال إفريقيا.

وعلى المستوى التعليمي، أبرز السفير الروسي أن الجامعات الروسية أصبحت تستقطب أعدادا متزايدة من الطلبة المغاربة، مستفيدة من تنوع التخصصات وجودة التكوين وتنافسية تكاليف الدراسة، فضلا عن المنح التي توفرها الحكومة الروسية للطلبة الأجانب.

وأوضح أن الجامعات الروسية تقدم تكوينات في تخصصات متعددة، من بينها الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والطاقة والزراعة والعلوم الطبيعية والإنسانية، مع الجمع بين الدراسة النظرية والتكوين التطبيقي.

وبخصوص الصعوبات المرتبطة بالتحويلات المالية التي تواجه بعض الطلبة المغاربة وعائلاتهم نتيجة العقوبات الغربية واستبعاد عدد من المؤسسات المالية الروسية من نظام «سويفت»، أكد بيليايف أن السفارة تعمل بالتنسيق مع الجامعات والجهات المغربية لإيجاد حلول عملية بحسب كل حالة.

وأشار إلى اعتماد وسائل دفع بديلة، من بينها نظام «Pay in Russia»، الذي يتيح للأجانب الاستفادة من بطاقات مصرفية روسية وخدمات دفع رقمية لتغطية مصاريف الإقامة والتنقل والاتصالات والمشتريات.

وخلص السفير الروسي إلى التأكيد على أن العلاقات بين الرباط وموسكو تتوفر على مؤهلات كبيرة لمزيد من التطور، مبرزا استعداد بلاده لمواصلة توسيع التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأكاديمية والثقافية، بما يخدم مصالح البلدين والشعبين.