عادت الجزائر مرة أخرى إلى تحريك أدواتها داخل الاتحاد الإفريقي بهدف إدخال المنظمة القارية في نزاع الصحراء المغربية، مستغلة انعقاد الدورة الثانية عشرة من ندوة السلم والأمن في إفريقيا “مسار وهران”، وخلال لقاء جمع وزير خارجيتها أحمد عطاف برئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف، حاولت الجزائر الدفع نحو إحياء دور للاتحاد في ملف تتولى الأمم المتحدة تدبيره حصريًا منذ سنوات طويلة.
ورغم ضغوط الجزائر، ظل موقف المفوضية الإفريقية ثابتا، حيث جددت التأكيد على ما تم الاتفاق عليه في قمة نواكشوط سنة 2018: النزاع يُعالج حصريًا تحت إشراف الأمم المتحدة، فيما يقتصر دور الاتحاد على الدعم السياسي، هذا الموقف قطع الطريق على مساعي الجزائر الرامية إلى إعادة فتح ملف سبق أن أُغلق قاريا.
وتتزامن هذه التحركات مع تراجع كبير في التعاطف الدولي مع أطروحة البوليساريو، مقابل توسع دعم مبادرة الحكم الذاتي التي وصفها قرار مجلس الأمن 2797 بأنها “واقعية وجدية”.
محاولة إحياء ملف مغلق
خلال اختتام فعاليات ملتقى “مسار وهران”، حاولت الجزائر تقديم رؤية البوليساريو الانفصالية على أنها “موقف إفريقي”، مستغلة حضور رئيس المفوضية الإفريقية ومسؤولين أمميين وعدد من وزراء الخارجية، إلا أن هذه المناورة لم تغيّر شيئاً في موقف المنظمة القارية.
وفي كلمته، وضع وزير الخارجية الجزائري نزاع الصحراء في صدارة النقاش، مستعملاً خطاب “تصفية الاستعمار” لدعم البوليساريو، في محاولة لإعادة تحريك ملف حددت الأمم المتحدة مساره بوضوح منذ عقود.
الباحث في التاريخ المعاصر دداي بيبوط اعتبر أن استضافة “مسار وهران” تندرج ضمن “محاولة جزائرية مكثفة لإحياء أجندتها الدبلوماسية داخل الاتحاد الإفريقي بعد تراجع تأثير سرديتها أمام الزخم الدولي الداعم للحكم الذاتي”.
وأوضح أن الجزائر تسعى لاستثمار عضويتها في مجلس السلم والأمن الإفريقي لتوجيه النقاش داخل المنظمة، ومحاولة استمالة رئيس المفوضية، رغم أن “القرارات الحاسمة اتُّخذت منذ قمة نواكشوط”.
وأشار إلى أن الجزائر فشلت مراراً في فرض مشاركة البوليساريو داخل اجتماعات مع شركاء دوليين، آخرها خلال المجلس التنفيذي مطلع 2024، وهو ما شكّل “ضربة قوية لتحركاتها القارية”.
محاولات تجاوز الشرعية الدولية
من جهته، اعتبر الباحث سعيد بوشاكوك أن الجزائر “ما تزال تتحرك خارج إطار الشرعية الدولية”، خاصة بعد القرار 2797 الذي رسم معالم الحل: حكم ذاتي في إطار السيادة المغربية، ومسار تفاوضي تحت إشراف مجلس الأمن فقط.
وأكد أن إدراج النزاع في “مسار وهران” ليس سوى “دليل إضافي على فشل الدبلوماسية الجزائرية في حشد أي دعم جديد”، مقابل توسع التأييد الدولي للمقترح المغربي.
ووصف هذه التحركات بأنها “محاولات يائسة لاستعادة نفوذ قاري مفقود” لا أثر لها أمام الإجماع المتزايد حول الحل الأممي.
تسعى الجزائر إلى إعادة إدراج نزاع الصحراء داخل أجندة الاتحاد الإفريقي، إلا أنها تصطدم بمواقف ثابتة للمنظمة القارية، ومسار أممي مغلق وواضح، ودعم دولي متزايد للمبادرة المغربية، وهكذا تبدو هذه التحركات مجرد محاولة لإحياء ملف فقد قيمته الدبلوماسية، في وقت يتجه فيه المجتمع الدولي نحو حل يقوم على الحكم الذاتي ومسؤولية الجزائر في الدفع نحو مفاوضات جدية.

