أعادت الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير ومحيطها، خلال الأيام الأخيرة، بفعل التساقطات المطرية الغزيرة وارتفاع منسوب الأودية، إلى الواجهة إشكالية التعايش مع الظواهر المناخية القصوى، في سياق يتسم بتغيرات مناخية متسارعة باتت تجعل من هذه الأحداث أكثر تكرارا وحدّة.
وفي هذا السياق قال مصطفى العيسات، الخبير في البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، إن “الأولوية القصوى في مثل هذه الحالات تظل لحماية الأرواح”، داعيا الساكنة إلى التعامل بجدية تامة مع النشرات الإنذارية وتوصيات السلطات العمومية، خصوصا ما يتعلق بإخلاء المناطق المهددة، سواء القريبة من الأنهار أو الواقعة بالمناطق المنخفضة والمعرضة لاجتياح السيول.
وأكد العيسات، أن من بين الإجراءات الوقائية الأساسية قطع التيار الكهربائي داخل المنازل التي غمرتها المياه أو المهددة بالفيضانات، محذرا من مخاطر الصعق الكهربائي باعتبار الماء موصلا قويا للكهرباء.
كما دعا الخبير في البيئة والتنمية المستدامة والمناخ إلى احترام الحواجز الطرقية وعدم المجازفة بالتنقل، خاصة بالسيارات، مشيرا إلى أن “العديد من المركبات الحديثة إلكترونية، وقد يؤدي غمرها بالمياه إلى توقفها وانغلاق أبوابها؛ ما يشكل خطرا حقيقيا على حياة السائقين”.
وأضاف المصرح عينه أن هذه الظرفية الاستثنائية تتطلب تجندا جماعيا، حيث تلعب السلطات دورها عبر تعبئة الجيش والقوات المساعدة ولجان اليقظة؛ غير أن المجتمع المدني مطالب بدوره بتعزيز العمل التضامني لمواكبة المتضررين والتخفيف من وطأة الخسائر الاجتماعية والنفسية.
من جهة أخرى أوضح علي شرود، الخبير المناخي، أن الفيضانات الأخيرة ناتجة عن تساقطات متوسطة إلى قوية؛ لكنها متواصلة على مدى أيام عديدة، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير اعتيادي في منسوب الأودية.
وأضاف شرود، أن امتلاء السدود إلى مستويات قياسية فرض في بعض الحالات عمليات تفريغ مضبوطة للمياه، وفق معايير تقنية دقيقة؛ غير أن الإشكال يبرز حين تتزامن هذه العمليات مع ضعف قدرة بعض الأودية وروافدها على تصريف الكميات الكبيرة من المياه.
وأشار الخبير المناخي إلى أن جزءا من المشكلة يعود إلى هشاشة البنية التحتية الخاصة بتصريف المياه، إضافة إلى توسع العمران في مناطق طبيعتها معرضة للفيضانات؛ مثل مجاري الأودية والشعاب والمناطق السفلى، وهي وضعية لم تكن آثارها واضحة خلال سنوات الجفاف، لكنها برزت بقوة خلال هذا الموسم المطري الاستثنائي.
ودعا المتحدث عينه إلى اعتماد دراسات “الجيو-مخاطر” (Geo-risques) بشكل منهجي، عبر إعداد خرائط دقيقة تحدد المناطق حسب درجات الخطورة، على غرار ما تم اعتماده بعد زلزال الحوز، مؤكدا أن هذه المقاربة تتيح توجيه قرارات الإخلاء وإعادة التأهيل ومنع البناء في المناطق المصنفة عالية الخطورة.
وأكد شرود أن ما تعيشه المملكة حاليا “ليس حدثا عابرا”، بل نتيجة سنة مناخية استثنائية من حيث التساقطات المطرية والثلجية؛ ما يستدعي رفع مستوى الاستعداد والانضباط الجماعي، سواء من لدن السلطات أو المواطنين، مشددا على أن “الدور الأكبر يبقى وعي المواطن واستجابته لتعليمات السلامة”.

