كشفت دراسة إستراتيجية حديثة أعدّها الخبير في الجيو-إستراتيجية والأمن، الشرقاوي الروداني، ونشرت على منصة “Geopolitical Monitor”، عن مقاربة إفريقية جديدة تعيد تعريف مفهوم القوة داخل القارة. وتطرح الدراسة، التي حملت عنوان “StraitBelt: إعادة تشكيل السيادة من أجل إفريقيا الصاعدة”، رؤية تعتبر أن السيادة الحديثة تُبنى على الكفاءة في الربط والتنسيق، وليس على التحكم في الحدود التقليدية.
تركز العقيدة الجديدة على أهمية السيطرة على مسارات التجارة والطاقة العالمية، باعتبارها محددات القوة في القرن الحادي والعشرين، حيث تتحرك المصالح عبر الممرات الحيوية وشبكات القيمة التي تنقل معظم التجارة العالمية.
وأوضح الروداني أن مفهوم “StraitBelt” يمثل تعبيراً جيوسياسياً مستحدثاً يندرج في إطار منظومة فكرية مغربية تجمع بين الرؤية الملكية والإستراتيجية الوطنية، مستلهمة من إرث أعلام الجيوبولتيك مثل ماهان وماكندر وسبيكمان، مع تقديم قراءة مغربية معاصرة تستجيب لتحولات إفريقيا والأطلسي.
وأضاف أن هذا التصور يتيح للمغرب ترسيخ موقعه في الفضاءات الأطلسية والمتوسطية والساحلية والصحراوية، وتحويل رؤيته تجاه دول الساحل والدول الأفرو-أطلسية إلى إطار إستراتيجي يعيد تصور الاتصال والسيادة وموازين القوى داخل الجنوب العالمي.
وتشير الدراسة إلى أن إفريقيا لم تعد هامشاً بعيداً، بل قارة صاعدة تمتلك عناصر قوة هيكلية، من أبرزها الارتفاع الديموغرافي المتوقع أن يبلغ 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وكون ثلث شباب العالم سيعيش داخلها، إضافة إلى توفرها على موارد حيوية تُمثّل أكثر من ثلث الاحتياطي العالمي للمعادن الضرورية للتحول الأخضر، فضلاً عن موقعها البحري الاستراتيجي المطل على أهم ممرات التجارة والطاقة.
وتؤكد الوثيقة أن المنطق التقليدي الذي حصر إفريقيا في كونها مصدراً للمواد الخام ومستقبلاً للقواعد العسكرية “استنفد إمكاناته”، وأن القوة اليوم تكمن في شبكات الموانئ والكابلات وخطوط الأنابيب التي تتحرك عبرها المصالح الإستراتيجية.
وتقدّم عقيدة “StraitBelt” بديلاً عن الرؤية الكلاسيكية للجغرافيا السياسية، معتبرة أن القوة تُقاس بقدرة الدول على خلق الربط والتكامل، وأن السيادة الحديثة تُمارس عبر التنسيق المرن وتطوير القدرة على امتصاص الصدمات، إضافة إلى كسر التبعية من خلال دمج الدول غير الساحلية في شبكات لوجستية فعّالة تمنحها صفة الشريك لا التابع.
وتحذر الدراسة من أن انعدام الاتصال يفاقم الهشاشة الأمنية، إذ تتحول المناطق التي تنهار فيها السلاسل اللوجستية –مثل الساحل والبحيرات العظمى– إلى بؤر للتطرف والجريمة، مما يجعل تأمين الممرات الحيوية “مهمة أمنية وإستراتيجية” في آن واحد.
وتبني العقيدة رؤيتها على ثلاثة محاور مترابطة تمنح إفريقيا سيادتها الجديدة:
المحور الساحلي الصحراوي الذي يحول الدول غير الساحلية إلى ممرات قارية عبر التنسيق الأمني واللوجستي؛
المحور الأطلسي الممتد من شمال وغرب إفريقيا نحو الأمريكيتين، بما يخلق فضاء تعاون واستقرار اقتصادي؛
المحور الأورو–متوسطي الذي يدمج إفريقيا في أحواض رأس المال والتكنولوجيا لتعزيز دورها في سلاسل القيمة العالمية.
وتوضح الدراسة أن التحول المطلوب يقوم على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير الأنظمة الصناعية والتكنولوجية والطاقة الخضراء، بما يعزز قدرة القارة على صياغة قواعد جديدة في الاقتصاد العالمي.
وفي الختام، تقترح الدراسة معايير إستراتيجية للفترة 2030-2035، من بينها خفض التكاليف اللوجستية في منطقة الساحل ومضاعفة حجم نقل الحاويات داخل القارة، معتبرة أن “StraitBelt” تمثل مساهمة إفريقية نوعية في إعادة التوازن للنظام العالمي، وتضع القارة في موقع “المهندس” القادر على تشكيل الممرات والقواعد التي ستوجه مستقبل الترابط الدولي.

