سبت الأحزاب يحسم التحالفات.. ملامح الأغلبية والمعارضة على طاولة المجالس الوطنية
دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المغربية مرحلة حاسمة بعد إنهاء رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، جيلتها الأولى من اللقاءات مع الأحزاب الممثلة في مجلس النواب. وتتجه الأنظار إلى الاجتماعات المرتقبة للمجالس الوطنية لعدد من الأحزاب يوم السبت 3 أكتوبر، لرسم المعالم الأولية لخريطة الأغلبية والمعارضة.
على الرغم من تحركات المنصوري السريعة منذ تكليفها، لم تسفر الجولة الأولى عن تركيبة حكومية معلنة؛ إذ تباينت مواقف القوى السياسية بين مبديةٍ للاستعداد، ومُحيلةٍ للقرار على مؤسساتها التقريرية، وأخرى حسمت موقعها في المعارضة. هذا التباين يضع رئيسة الحكومة أمام سيناريوهات متعددة لبناء تحالف قادر على نيل ثقة مجلس النواب والاستمرار للسنوات الخمس المقبلة.
لغز “الأحرار” وتحدي الشرعية السياسية
تتجاوز مسألة التحالف مجرد جمع المقاعد البرلمانية المطلوبة إلى تحديد طبيعة الائتلاف: هل تتجه المنصوري لإعادة إنتاج الأغلبية السابقة بقيادة جديدة، أم تؤسس لصيغة سياسية مختلفة؟
في هذا السياق، يبدو موقف حزب التجمع الوطني للأحرار محفوفاً بالأهمية؛ فبالرغم من إبداء مكتبه السياسي الاستعداد للمشاركة، يظل القرار النهائي بيد مجلسه الوطني. ورغم أن انتقاله للمعارضة يبدو خياراً ممكناً، فإن التوجه الحالي يميل ونحو إبقاء الباب مفتوحاً.
إن مشاركة “الأحرار” تضمن إعادة بناء التحالف السابق ولكن تحت قيادة “الأصالة والمعاصرة”، في حين أن خروجه سيحدث زلزالاً في توازن القوى البرلمانية لصالح المعارضة. وتطرح إعادة التحالف القديم تساؤلاً سياسياً جوهرياً حول التغيير الذي أفرزته انتخابات 2026 إذا اقتصر التحول على تبادل المواقع القيادية فقط، مما يتطلب إعطاء تفسير سياسي واضح للرسالة التي بعثتها صندوق الاقتراع.
خيارات “الاستقلال” والمكونات الأخرى
في المقابل، تشير المؤشرات القادمة من حزب الاستقلال إلى ميلٍ نحو المشاركة لمواصلة الأوراش القائمة، في انتظار الحسم الرسمي لمجلسه الوطني، دون التطرق بعد لتوزيع الحقائب. وإذا التقت إرادة “الاستقلال” و”الأحرار” على المشاركة، فسيكون خيار التحالف الثلاثي التقليدي الأكثر واقعية، ولكن هذه المرة برئاسة “البام”.
ومع ذلك، تملك المنصوري خيارات أخرى؛ إذ فوض الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قيادته لمتابعة المفاوضات، في حين يواصل التقدم والاشتراكية نقاشه الداخلي بين المعارضة والمشاركة بشروط. هذه المساحة تتوزع بين خيارين: أغلبية ضيقة وسهلة التدبير، أو ائتلاف موسع يمنح حزاماً برلمانياً عريضاً ولكن بكلفة تفاوضية وأجندة توافقية أعقد.
الاستقرار السياسي قبل الأرقام
حسابياً، يستلزم تنصيب الحكومة الحصول على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب وفقاً للفصل 88 من الدستور. إلا أن المعيار العددي وحدَهُ لا يضمن الاستقرار ما لم يُسند بتقارب سياسي وبرامجي يحمي الأغلبية من التفكك عند أول اختبار تشريعي. ومن ثم، يتجاوز التحدي سؤال “من يوفر المقاعد؟” إلى “من يستطيع العمل بانسجام لمدة خمس سنوات؟”.
شكل المعارضة المرتقبة
على الضفة الأخرى، بدأت ملامح المعارضة تتشكل؛ إذ حسم حزب العدالة والتنمية موقعه في المعارضة (مع تأكيد أمينه العام عبد الإله بنكيران أن الخلاف مع الأصالة والمعاصرة سياسي لا شخصي)، وانضم إليه تحالف اليسار (الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي).
ويتوقف حجم المعارضة وفعاليتها على الخيار الذي ستعتمده المنصوري؛ فالأغلبية الموسعة ستضغط المعارضة عددياً، في حين سينتج عن الأغلبية الضيقة قطب معارض واسع ومتنوع.
سبت الحسم والضغط الزمني
تكتسب اجتماعات السبت حرجاً خاصاً لمجالس “الأحرار”، “الاستقلال”، “الحركة الشعبية”، و”الأصالة والمعاصرة”، إذ ستنتقل المشاورات بعدها من استطلاع النبض إلى المفاوضات التفصيلية حول الهيكلة والبرنامج.
ورغم اقتراب موعد افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، فإن العرف والدستور المغربي يسمحان بافتتاح البرلمان حتى وإن استمرت المفاوضات الحكومية (كما حدث سنة 2016)، وإن كان استكمال الهيكلة قبله يظل السيناريو الأفضل تفادياً لإبقاء سؤال الأغلبية معلقاً.
تظل كل الاحتمالات مفتوحة أمام رئيسة الحكومة المعينة، والسؤال الحاسم عقب اجتماعات السبت لن يقتصر على تحديد المكونات المشاركة، بل على طبيعة الأغلبية والمعارضة اللتين ستشكلان الملمح السياسي للمرحلة المقبلة.

التعليقات 0