دي ميستورا يحدد معوقات التسوية في الصحراء.. والبوليساريو تلوّح بمراجعة تعاونها مع الوساطة الأممية
عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن الدولي، في ظل استمرار الخلافات السياسية والأمنية التي تعرقل جهود التسوية، وذلك بالتزامن مع تصاعد انتقادات جبهة البوليساريو للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، على خلفية اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية مرجعا للنقاشات السياسية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة تسبق مناقشة مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، التي تنتهي ولايتها في 31 أكتوبر الجاري، وسط ترقب لما ستسفر عنه المشاورات الدولية بشأن آفاق العملية السياسية وإمكانية تحقيق تقدم ملموس نحو تسوية النزاع.
وخلال المشاورات المغلقة التي عقدها مجلس الأمن في 8 أكتوبر الجاري، قدم دي ميستورا، إلى جانب رئيس بعثة المينورسو ألكسندر إيفانكو، إحاطتين تناولتا مستجدات المسار السياسي والتطورات الميدانية، مع تسليط الضوء على التحديات التي لا تزال تحول دون إحراز تقدم في المفاوضات.
وتتمثل أبرز هذه العراقيل، وفق المعطيات المتداولة بشأن الإحاطة الأممية، في استمرار التوترات الميدانية وعدم الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار المعلن سنة 1991، فضلا عن استمرار أزمة الثقة بين الأطراف المعنية، وهو ما يحد من فرص تهيئة مناخ ملائم لاستئناف مفاوضات أكثر جدية وفعالية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى اتخاذ تدابير عملية لخفض التصعيد وتعزيز الثقة، بالتوازي مع مواصلة التحركات الدبلوماسية بتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف تهيئة الظروف الضرورية لدفع العملية السياسية نحو مرحلة أكثر تقدما.
وفي المقابل، اختارت جبهة البوليساريو التصعيد السياسي تجاه المبعوث الأممي، بعدما أصدرت، الاثنين 12 أكتوبر، بيانا انتقدت فيه ما اعتبرته توجها نحو جعل الحكم الذاتي أساسا للمناقشات المستقبلية. واعتبرت الجبهة أن هذا التوجه يتعارض، بحسب موقفها، مع مبدأ الحياد الذي يفترض أن يحكم عمل الوساطة الأممية.
كما وجّه ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة، سيدي محمد عمار، انتقادات إلى دي ميستورا، متهما إياه بالاقتراب من الطرح المغربي، مع التلويح بإمكانية إعادة تقييم مستوى تعاون البوليساريو مع المبعوث الشخصي إذا استمر، وفق تعبيره، في تجاوز حدود مهمته.
ويكتسي هذا التصعيد أهمية خاصة بالنظر إلى توقيته، إذ يأتي في مرحلة تتزايد فيها الدعوات الدولية إلى البحث عن تسوية سياسية واقعية ودائمة، بالتزامن مع اقتراب موعد اتخاذ قرار جديد بشأن ولاية المينورسو ومستقبل دورها في المنطقة.
ويعيد موقف البوليساريو إلى الواجهة الخلاف بشأن المرجعية التي ينبغي أن تستند إليها المفاوضات، خصوصا في ظل تنامي حضور مبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن النقاشات الأممية. فقد دعا قرار مجلس الأمن رقم 2797، المعتمد في 31 أكتوبر 2025، إلى مواصلة المسار السياسي على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد الحكم الذاتي مرجعا للنقاش لا يمكن فصله عن التوجه الذي أقره مجلس الأمن في قراره، في وقت لا يزال فيه الخلاف قائما بشأن طبيعة التسوية النهائية وشروطها والضمانات المرتبطة بتنفيذها.
وبذلك، تعكس انتقادات البوليساريو استمرار رفضها للمرجعية التفاوضية التي باتت تحظى بمكانة بارزة داخل المسار الأممي، بينما تواجه الوساطة الدولية تحديا يتمثل في الحفاظ على قنوات التواصل مع الأطراف، دون الخروج عن الإطار الذي ترسمه قرارات مجلس الأمن.
وعلى المستوى الميداني، يظل استمرار التوتر وانعدام الثقة من أبرز العوامل التي تعقد مهمة دي ميستورا، إذ يصعب تحقيق اختراق سياسي في ظل غياب أجواء التهدئة اللازمة. كما يطرح الانتقال إلى مناقشة تفاصيل التسوية أسئلة بشأن الترتيبات الأمنية والمؤسساتية والضمانات التي يمكن أن ترافق أي اتفاق مستقبلي.
وتتزامن هذه التحديات مع تزايد الاهتمام بمستقبل بعثة المينورسو، في ظل النقاش بشأن مراجعة مهامها ومدى ارتباط استمرارها بالتقدم المحرز في العملية السياسية. وهو ما يجعل القرار المرتقب لمجلس الأمن محطة مهمة لتقييم حصيلة الجهود الأممية وتحديد الخطوات المقبلة.
وبين مساعي دي ميستورا لتجاوز العقبات الأمنية والسياسية، وإصرار البوليساريو على الاعتراض على اعتماد الحكم الذاتي أساسا للنقاش، يجد مجلس الأمن نفسه أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرة الأطراف على الانخراط في مسار تفاوضي أكثر واقعية.
وتتجه الأنظار إلى المواقف التي ستعبر عنها القوى الدولية خلال المرحلة المقبلة، لمعرفة ما إذا كانت ستدفع نحو تعزيز المرجعية السياسية التي حددها القرار 2797، أم أن استمرار الخلافات سيبقي جهود التسوية رهينة التجاذبات السياسية والميدانية.
وفي المحصلة، يكشف هذا التطور أن التحدي لم يعد مقتصرا على تدبير ولاية المينورسو، بل أصبح مرتبطا أيضا بمدى استعداد الأطراف للتفاعل مع متطلبات المرحلة الجديدة، وتحويل التحركات الدبلوماسية إلى خطوات عملية تقرّب من حل سياسي للنزاع.

التعليقات 0