أعاد توالي النشرات الإنذارية الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية خلال الأسابيع الأخيرة النقاش حول كيفية تعامل المواطنين والسلطات مع التقلبات المناخية المتسارعة التي يشهدها المغرب، في ظل أمطار غزيرة ورياح قوية خلفت، في بعض المناطق، خسائر مادية وبشرية.
ويرى خبراء في البيئة والمناخ أن هذه النشرات لم تعد أحداثاً استثنائية عابرة، بل جزءاً من واقع مناخي جديد تفرضه التغيرات المناخية، ما يستدعي تغييراً جذرياً في سلوك الأفراد وفي سياسات التدبير العمومي.
في هذا السياق أوضح فؤاد عمراوي، الأستاذ الباحث في علم الهيدرولوجيا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن ما يشهده المغرب خلال شهر دجنبر يعيد إلى الأذهان نمط التساقطات الغزيرة التي كانت سائدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، غير أن الاختلاف اليوم يكمن في طابعها “العاصفي والمركّز زمنياً”.
وأكد عمراوي، أن التغيرات المناخية جعلت بعض فترات المطر قصيرة لكنها قوية جداً، وهو ما يرفع منسوب المخاطر، خصوصاً في المناطق القريبة من الأودية، والمجالات المنحدرة، وداخل المدن، وأشار إلى أن لهذه الأمطار، رغم أخطارها، آثاراً إيجابية لا يمكن إغفالها، من بينها تحسين نسبة ملء السدود، وتغذية الفرشات المائية، وإنعاش النشاط الفلاحي.
غير أن الباحث نفسه شدد على أن الاستفادة من هذه الإيجابيات تظل رهينة بحسن التعامل مع المخاطر، داعياً المواطنين إلى أخذ النشرات التحذيرية بجدية، وتأجيل السفر غير الضروري، وتفادي السرعة أثناء القيادة في ظروف ضعف الرؤية، واعتماد منطق الحيطة في كل الأنشطة اليومية خلال فترات الاضطراب الجوي.
من جهته اعتبر جمال أقشباب، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة، أن المغرب يعيش منذ نهاية الخريف وبداية الشتاء تقلبات مناخية غير معتادة، مرتبطة بتحولات في المنخفضات الجوية وبارتفاع حرارة الأرض.
وأوضح أقشباب، أن البلاد انتقلت من سنوات من الجفاف والأمطار الضعيفة وغير المنتظمة إلى تساقطات قوية وطويلة المدة، خصوصاً بفعل المنخفضات الأطلسية القادمة من شمال أوروبا، وهو ما أفرز وضعاً مناخياً “استثنائياً” بكل المقاييس.
وأكد الفاعل البيئي ذاته أن النشرات الإنذارية التي تصدرها الأرصاد الجوية تؤدي دوراً أساسياً واستباقياً، هدفه تفادي الأسوأ وليس إثارة الخوف؛ غير أن الإشكال يكمن في ضعف التفاعل الجدي معها من طرف بعض المواطنين، ودعا إلى تجنب الاقتراب من مجاري الأودية والسيول، والحد من التنقل في المناطق الجبلية خلال فترات الخطر، وعدم السفر إلا للضرورة القصوى، مبرزاً أن عدداً من الخسائر المسجلة كان بالإمكان تفاديه لو تم الالتزام بمضامين هذه التحذيرات.
وفي تشخيص أعمق للأسباب البنيوية للخسائر حمّل المتحدث جانباً من المسؤولية لضعف التخطيط الحضري، وعدم ملاءمة تأهيل عدد من المدن والمجالات القروية والجبلية مع التحولات المناخية، موردا أن غياب دراسات علمية تستحضر مخاطر الفيضانات، وعدم توظيف أدوات حديثة مثل نظم المعلومات الجغرافية، والهيدرولوجيا، والمورفولوجيا، والذكاء الاصطناعي، يجعل العديد من المناطق هشة أمام أي تساقطات استثنائية.
ورغم الخسائر المؤلمة أجمع الخبيران على أن هذه الأمطار تبقى “مباركة” من حيث توقيتها، لما لها من دور حاسم في إنعاش الموارد المائية وتعزيز الأمن المائي والفلاحي للمملكة بعد سنوات من الجفاف. غير أن الرسالة الأبرز، بحسبهما، هي أن المغرب مطالب، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الاستباق، سواء عبر وعي المواطنين بأهمية النشرات التحذيرية، أو عبر سياسات عمومية تدمج التغيرات المناخية في التخطيط الترابي والتهيئة الحضرية، حتى لا تتحول نعمة المطر إلى مصدر خطر متكرر.

