شهد المغرب خلال الأشهر الماضية بروز موجة احتجاجية شبابية حملت اسم «جيل زد 212»، سرعان ما خفت بريقها واختفت من الساحة العامة رغم انطلاقتها القوية. هذا التراجع السريع يطرح تساؤلات حول مسار الحركة، وآليات تشكّل الاحتجاج في السياق المغربي، والعوامل التي سرعت إنهاء هذا الحراك في ظرف وجيز. ومن خلال تتبع تطورها، يمكن رصد خمسة عوامل رئيسية أسهمت في أفولها.
أولاً: الخطاب الملكي وإعادة توجيه النقاش نحو الإصلاح المؤسساتي
شكّل الخطاب الملكي أمام البرلمان في افتتاح الدورة التشريعية لشهر أكتوبر نقطة انعطاف أساسية، إذ قدّم تشخيصاً واضحاً لاختلالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب التأكيد على التزام الدولة بتسريع الإصلاحات، هذا الموقف الرسمي أعاد الثقة في المسار المؤسساتي، ودفع شريحة واسعة من المواطنين إلى اعتبار الاحتجاج أقل مردودية في ظل وجود إرادة إصلاحية واضحة، ما قلّص من الزخم الشعبي الداعم للحركة.
ثانياً: انسحاب فعاليات أمازيغية بعد تحوّل الاحتجاجات نحو العنف
في بدايات الحراك، شارك عدد من النشطاء الأمازيغ مما منح الحركة تنوعاً وقوة تنظيمية، لكن اندلاع أعمال تخريب في بعض المدن دفع هؤلاء الفاعلين إلى الانسحاب العلني، معتبرين أن الحراك انحرف عن سلميته الأصلية، هذا الانسحاب كان مؤثراً، نظراً للوزن المدني والحقوقي الذي تمثله الحركة الأمازيغية، ففقدت الاحتجاجات أحد أهم مكوّناتها الاجتماعية.
ثالثاً: ضبابية المطالب والتحوّل السريع من الاجتماعي إلى السياسي
انطلق الحراك بمطالب اجتماعية تحظى بإجماع واسع، كتحسين الخدمات ومحاربة الهشاشة، غير أن توسع الشعارات ليشمل مطالب سياسية كإسقاط الحكومة دون رؤية بديلة أو هيكلة تنظيمية واضحة، خلق حالة ارتباك لدى الرأي العام، وأضعف مصداقية الحركة التي بدت بلا قيادة ولا برنامج محدد، وهي سمات غالباً ما تعجّل بتشتت الحركات الاحتجاجية.
رابعاً: تأثير خارجي ومحاولات توجيه عبر المنصات الرقمية
كشفت المتابعات الرقمية—خصوصاً في منصات مثل «ديسكورد»—عن وجود محاولات لاختراق الحراك من طرف جهات معارضة من الخارج، ما غذّى الشكوك حول نقاء مطالبه. وفي ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية دولية ككأس إفريقيا 2025 وتمهيداً لكأس العالم 2030، رأت فئات واسعة أن أي اضطراب قد ينعكس سلباً على صورة البلاد، وهو ما قلّل من التعاطف مع الحركة وساهم في إضعافها.
خامساً: لحظة الوحدة الوطنية بعد تتويج المنتخب المغربي للشبان
جاء فوز المنتخب المغربي للشبان ببطولة العالم في الشيلي كحدث جامع غيّر المزاج العام، وأعاد شعور الفخر والانتماء، هذا النوع من اللحظات الوطنية عادة ما يهدّئ التوترات، ويدفع الشباب نحو تغليب الأفق الوطني على الحركات الاحتجاجية الظرفية.
تشابه مع تجربة 20 فبراير.. واختلاف في الدروس
على غرار حركة 20 فبراير، خفت حراك جيل زد تدريجياً، لكن أثره غير المباشر سيظل قائماً. فقد أعاد فتح النقاش حول العدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، وتوسيع الفرص الاقتصادية أمام الشباب، كما أبرز الحاجة إلى تطوير آليات الوساطة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ورغم اختفاء الحركة، فإن القضايا التي أثارتها لا تزال قائمة. غير أن التجربة تُظهر قدرة المجتمع المغربي على تجاوز لحظات التوتر، وعلى الحفاظ على توازن بين الاستقرار والتغيير. كما أكدت أن مسار التنمية الشاملة في المغرب يظل قائماً رغم التحديات، مستنداً إلى استقرار مؤسساتي وحس وطني متجدد.
ويظل الدرس الأكبر هو أهمية الإصلاح المستمر وفق مقاربة تشاركية تصغي للمجتمع، وتمنح الشباب فرصاً ومساحات للتفاعل. وكما قال مانويل كاستلز: «تنشأ الحركات الاجتماعية من الأمل المنظم، لا من المطالب وحدها.»

