المحامون المغاربة يعلّقون إضرابهم مؤقتاً.. خطوة لتهدئة الأزمة وإعادة الحوار

أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعليق الإضراب الذي خاضته الهيئات المهنية خلال الفترة الماضية، في خطوة تعيد الهدوء نسبياً إلى العلاقة بين مهنة المحاماة ومختلف المؤسسات المتدخلة في قطاع العدالة، وتفتح المجال أمام استئناف النقاش حول الملفات التي كانت وراء موجة الاحتجاجات.

ويأتي هذا القرار بعد مرحلة اتسمت بتوتر مهني متواصل، على خلفية خلافات بشأن عدد من المقتضيات المرتبطة بتنظيم مهنة المحاماة، وطريقة تدبير المسار التشريعي للنصوص المنظمة لها، فضلاً عن مطالب أخرى تعتبرها الهيئات المهنية مرتبطة باستقلالية المهنة وضمان شروط ممارستها.

ويكتسي تعليق الإضراب أهمية خاصة بالنسبة إلى المتقاضين، بالنظر إلى أن استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية كان ينعكس بصورة مباشرة على عدد من الملفات والإجراءات القضائية، خصوصاً تلك التي تتطلب حضور الدفاع أو مواكبته. ومن شأن استئناف العمل أن يخفف جزءاً من الضغط الذي راكمته المرحلة السابقة على المحاكم والمتقاضين والمحامين على حد سواء.

غير أن تعليق الإضراب لا يعني بالضرورة انتهاء الخلاف. فالمطالب التي دفعت الهيئات المهنية إلى خوض الاحتجاج ما تزال مطروحة للنقاش، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الأطراف المعنية على الانتقال من الاحتجاج إلى الحوار، ومن تبادل المواقف إلى البحث عن حلول عملية.

وتبدو الحاجة إلى هذا الحوار أكثر إلحاحاً بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لمهنة المحاماة، التي تشكل أحد المكونات الأساسية لمنظومة العدالة، وترتبط بشكل مباشر بحقوق الدفاع وحماية مصالح المتقاضين. ولذلك فإن أي إصلاح تشريعي أو تنظيمي للمهنة يظل بحاجة إلى نقاش مؤسساتي ومهني يراعي مختلف جوانب الموضوع.

وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل تعليق الإضراب فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وفتح قنوات تواصل أكثر انتظاماً بين ممثلي المحامين والجهات الحكومية والمؤسسات المعنية. فاستمرار الخلاف دون آفاق واضحة للحل من شأنه أن يعيد إنتاج الاحتقان، بينما يتيح الحوار إمكانية معالجة الملفات المختلف بشأنها في إطار مؤسساتي أكثر هدوءاً.

كما أن المرحلة المقبلة تفرض الانتباه إلى جانب آخر من القضية، يتعلق بضرورة عدم تحميل المتقاضين تبعات الخلافات المهنية والتشريعية. فالمواطن الذي يلجأ إلى القضاء ينتظر أن تستمر مصالحه في ظروف عادية، وأن تظل حقوقه وآجاله الإجرائية بمنأى قدر الإمكان عن التجاذبات التي قد تنشأ بين الفاعلين في منظومة العدالة.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي بعد تعليق الإضراب لا يكمن فقط في عودة المحامين إلى ممارسة مهامهم، وإنما في القدرة على استثمار هذه الخطوة لبناء أرضية مشتركة حول مستقبل المهنة. ويظل الوصول إلى صيغة توافقية رهيناً بمدى استعداد جميع الأطراف لتقديم مقترحات واقعية، والاستماع إلى الملاحظات المهنية والقانونية، والاحتكام إلى الحوار المؤسساتي.

وبين استئناف العمل واستمرار النقاش حول الملفات العالقة، تدخل أزمة المحاماة مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز مدى نجاح الحوار في إنتاج حلول ملموسة. فالتعليق المؤقت للإضراب قد يخفف من حدة التوتر، لكن معالجة جذور الخلاف ستظل هي الاختبار الحقيقي أمام مختلف الأطراف خلال المرحلة المقبلة.