لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية توسيع نطاق الضغط في أمريكا اللاتينية ليشمل كوبا، عقب التطورات المتسارعة التي أعقبت اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واصفا النظام الكوبي بـ“الفاشل” ومؤكدا استعداد بلاده لدعم الشعب الكوبي فيما وصفه بمرحلة مفصلية.
وأشار ترامب، في تصريحات السبت الماضي، عقب إعلانه تفاصيل عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إلى أن هافانا ستظل ضمن أجندة السياسة الأمريكية في المنطقة، في ظل ما اعتبره استمرار أنظمة “غير قادرة على إدارة شؤونها الداخلية”.
وفي السياق ذاته، أطلق ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، تحذيرات مباشرة إلى السلطات الكوبية، معتبرا أن تورط هافانا في دعم نظام مادورو يجعلها عرضة لتداعيات سياسية واقتصادية متزايدة. وقال إن الحكومة الكوبية “يجب أن تشعر بالقلق”، واصفا الوضع في كوبا بـ“الكارثي” نتيجة سوء التدبير والانهيار الاقتصادي، ومشددا على أن واشنطن تراقب عن كثب أدوارها الإقليمية.
ويأتي هذا التصعيد الأمريكي في وقت تُعد كل من فنزويلا وكوبا من أبرز الداعمين التقليديين لجبهة البوليساريو في أمريكا اللاتينية، ومن الحلفاء المقربين للجزائر على الساحة الدولية. وقد شكّل البلدان، لعقود، ركيزة أساسية للدعم السياسي والدبلوماسي لأطروحة الجبهة الانفصالية خارج القارة الإفريقية.
صمت مطبق
قال سعيد بوشاكوك، باحث مهتم بقضايا التنمية والشؤون الإفريقية، إن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أفرزت ملامح تشكل نظام دولي جديد يقوم على منطق الحذر في التعاطي مع القوى العظمى؛ وفي مقدمتها روسيا والصين، مقابل تشديد منسوب الضغط على الدول التي تُبدي رفضا صريحا للقرارات الأمريكية، خصوصا داخل القارة الأمريكية.
وأضاف بوشاكوك، أن واشنطن باتت تعتمد مقاربة أكثر صرامة تجاه أنظمة الحكم ذات الطابع الشمولي والهيمني، مثل فنزويلا وكوبا وبوليفيا، من خلال توظيف أدواتها الاستخباراتية والقانونية، عبر صكوك اتهام ترتبط بتمويل الإرهاب أو الاتجار الدولي في المخدرات، بهدف إحداث تحولات عميقة في بنية هذه الأنظمة.
وسجل المحلل السياسي ذاته أن التدخل الأمريكي في فنزويلا يحمل رسائل واضحة إلى مختلف التحالفات والأنظمة التي تقوم على النسق السياسي نفسه، مؤكدا أن لهذه الخطوة انعكاسات مباشرة على الخريطة الجيوسياسية العالمية، خاصة بالنسبة للدول التي ترتبط باتفاقيات دفاع مشترك؛ وفي مقدمتها الجزائر التي اختارت، حسب تعبيره، “الصمت وغياب الموقف”.
وأوضح الباحث المهتم بقضايا التنمية والشؤون الإفريقية أن هذا التحول الدولي يواكبه تراجع متزايد للأطروحات المناوئة للوحدة الترابية للمملكة، مقابل تنامي الدعم الدولي لمغربية الصحراء؛ وهو ما ترجم بتعزيز الشرعية السياسية والقانونية لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها حلا واقعيا يستند إلى القرار الأممي رقم 2797.
وخلص الخبير في الشؤون الدبلوماسية إلى أن السياق الجيوسياسي العالمي يتجه نحو قدر كبير من اللايقين؛ ما يفرض على الدول مراجعة محدداتها الاستراتيجية ومنطلقاتها السياسية، مع استحضار موازين القوى الجديدة ومنطق المصالح الاقتصادية المشتركة، متسائلا في الآن ذاته عن “مدى قدرة الجزائر على الاستمرار في معاداة مسار الشرعية الدولية، في ظل التحولات المتسارعة وروح اليد الممدودة التي ما فتئ جلالة الملك محمد السادس يؤكد عليها في أكثر من مناسبة؟”.
قبر الإيديولوجيا
سجل نجيب التناني، رئيس المركز المتوسطي لحقوق الإنسان، أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها فنزويلا، وانتهت باعتقال نيكولاس مادورو، تندرج في إطار تركيز الولايات المتحدة الأمريكية على دول أمريكا الجنوبية، ولا سيما تلك التي تربطها علاقات مباشرة أو مشبوهة بشبكات الاتجار الدولي في المخدرات.
وأوضح التناني، أن واشنطن تعتبر هذه الأنشطة تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وتصنّفها ضمن أفعال إرهابية موجهة ضدها، لافتا إلى أن صك الاتهام الذي وُجّه إلى النظام الفنزويلي ارتكز أساسا على هذه التهم الثقيلة.
وأكد الباحث في الشؤون الصحراوية أن الولايات المتحدة تنظر أيضا بعين الريبة إلى الأنظمة اليسارية ذات الطابع العسكري في عدد من دول المنطقة، من قبيل كوبا وكولومبيا، بل وحتى بلدان أخرى يُتداول اسمها في هذا السياق.
وأشار المتحدث عينه إلى أن السبب يعود، وفق الرؤية الأمريكية، إلى طبيعة هذه الأنظمة السياسية التي تُوصَف بالفساد وغياب الديمقراطية، وعدم قدرتها على الاستجابة لتطلعات شعوبها.
والمعطيات تندرج ضمن قراءة جيو-استراتيجية إقليمية أشمل، مؤكدا أن الولايات المتحدة ترى كذلك أن البنية التحتية الطاقية لفنزويلا شُيّدت في الأصل باستثمارات وشركات أمريكية، قبل أن يُقدم الرئيس الراحل هوغو تشافيز على طردها من البلاد.
وتابع المحلل السياسي ذاته: “الحسم في طبيعة هذه الاتهامات يظل رهينا بمسار المحاكمة، بالنظر إلى ضخامة لائحة الاتهام، وما يُتداول عن وجود أدلة سمعية وبصرية قد تحسم مسألة الاتجار في المخدرات من عدمها”، منبّها إلى أن التطورات الأخيرة سيكون لها انعكاس مباشر على شبكات الدعم الخارجي لجبهة “البوليساريو” الانفصالية.
وأكد المصرح ذاته أن أول القرارات التي اتخذتها نائبة الرئيس الفنزويلي تمثلت في إلغاء القرارات الفردية التي أصدرها مادورو؛ ومن ضمنها المنحة المالية المقدّرة بحوالي 20 مليون دولار، التي كانت موجهة لدعم الجبهة على المستويات العسكرية والدبلوماسية، إلى جانب التنسيق مع الجزائر للترويج لأطروحة الانفصال.
وشدد نجيب التناني على أن المرحلة المقبلة قد تكرّس ملامح نظام دولي جديد لا مكان فيه للأطروحات الإيديولوجية التي أثبت الواقع فشلها.

