الأقاليم الجنوبية بين الترحال الحزبي وإعادة إنتاج النخب… هل تغيرت الأحزاب أم بقيت قواعد اللعبة نفسها؟

———- مقال رأي تحليلي ———

لم يعد المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية يقرأ بالمنطق التقليدي الذي يربط قوة الأحزاب ببرامجها أو بمرجعياتها الفكرية، بل أصبح مجالًا يفرض قراءة سوسيولوجية وأنثروبولوجية تتجاوز النصوص الحزبية نحو فهم البنية الاجتماعية التي تنتج السلطة وتعيد إنتاجها، فالتحولات التي تشهدها الخريطة السياسية مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026 لا تكشف فقط عن انتقال منتخبين من حزب إلى آخر، وإنما تعكس طبيعة النسق السياسي المحلي، حيث تتقدم الشرعية الاجتماعية على الشرعية الحزبية، ويتحول الرأسمال الرمزي والامتداد القبلي إلى المحدد الأساسي للسلوك الانتخابي.

لقد أعادت التحركات الأخيرة لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة العيون الساقية الحمراء، واستقطابه شخصيات سياسية بارزة، يتقدمها البرلماني محمد سالم الجماني، إلى جانب أسماء أخرى قادمة من أحزاب مختلفة، فتح النقاش حول سؤال ظل حاضرًا في كل استحقاق انتخابي، هل تغيرت الأحزاب فعلًا، أم أن الذي يتغير هو فقط موقع الفاعلين داخل الخارطة الحزبية بينما تبقى قواعد اللعبة نفسها؟

من يتأمل الحياة السياسية المناطق الجنوبية يلاحظ أن الترحال الحزبي لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من دينامية المشهد السياسي، فشخصيات كانت بالأمس القريب داخل أحزاب مختلفة أصبحت اليوم في حزب آخر، وغدًا قد نجدها في تنظيم جديد، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولًا في قناعاتها الإيديولوجية أو في طبيعة قواعدها الانتخابية، فالمواطن في كثير من الدوائر لا يمنح صوته للحزب بقدر ما يمنحه للشخص الذي راكم رصيدًا من العلاقات الاجتماعية والرمزية، وهو ما يجعل القبيلة والوجاهة الاجتماعية والرأسمال الرمزي عناصر أكثر حضورًا من البرنامج الحزبي.

هذه الظاهرة ليست حكرًا على الأقاليم الجنوبية، لكنها تأخذ فيها بعدًا خاصًا، لأن القبيلة لا تزال تمثل إطارًا اجتماعيًا لإنتاج الثقة وإعادة تشكيل الولاءات، ومن منظور الأنثروبولوجيا السياسية، فإن القبيلة هنا ليست نقيضًا للدولة، وإنما أحد الفاعلين الذين يساهمون في تشكيل المجال السياسي المحلي، لذلك، فإن انتقال شخصية نافذة من حزب إلى آخر لا يؤدي غالبًا إلى انتقال الأصوات بسبب الحزب، بل بسبب استمرار الرابطة الاجتماعية التي تجمع تلك الشخصية بقاعدتها.

ولعل عودة محمد سالم الجماني إلى حزب الأصالة والمعاصرة تجسد هذا التحول بوضوح، فالرجل كان قد غادر الحزب عقب الخلاف الذي نشب بينه وبين الأمين العام السابق عبد اللطيف وهبي، وهو ما جعل كثيرًا من المتابعين يعتبرون أن عودته أصبحت مستبعدة، غير أن التطورات الأخيرة أعادت رسم المشهد، ليس فقط بعودة الجماني إلى الحزب، وإنما أيضًا بالتحاق ميد الجماني، القادم من حزب التجمع الوطني للأحرار، مرشحًا بإقليم السمارة، في الوقت الذي ظل فيه الجماني سيدي صلوح داخل حزب الحركة الشعبية بمدينة الداخلة، كما أن حضور سيدي المختار الجماني في المؤتمر الوطني الأخير لحزب الحركة الشعبية يعكس أن التموضع الحزبي داخل العائلة يعرف تنوعًا، وهو ما يجعل هذه العودة موضوعًا مشروعًا للتحليل السياسي، ويطرح تساؤلات حول القراءة الجديدة التي تبنتها مختلف الأطراف لموازين القوى المقبلة.

ومهما اختلفت التفسيرات، فإن المؤكد أن عودة شخصية بحجم محمد سالم الجماني ليست حدثًا تنظيميًا عاديًا، بل مؤشر على أن الأحزاب ما تزال تراهن على استقطاب الأسماء ذات الثقل الانتخابي والاجتماعي أكثر من رهانها على بناء قواعد حزبية جديدة، وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا، هل نحن أمام أحزاب تنتج النخب، أم أمام نخب تعيد تشكيل الأحزاب وفقًا لموازين القوى المحلية؟

ومن زاوية أخرى، استرعى اللقاء الذي احتضنه منزل عائلة أهل الجماني بمدينة العيون الانتباه من حيث تدبيره التواصل، فعلى خلاف اللقاء الذي نظمه الحزب بجهة الداخلة وادي الذهب، والذي حظي بتغطية إعلامية وتنظيمية لافتة، اقتصر تداول لقاء العيون على صور ومقاطع فيديو نشرتها صفحات شخصية لبعض مسؤولي الحزب، دون حضور إعلامي رسمي مماثل، وقد أثار ذلك تساؤلات لدى عديدة حول فلسفة التواصل المعتمدة في هذا الحدث، او بالاحرى لدى اهل الجماني، خاصة وأنه يتعلق بإعلان تحولات سياسية مهمة داخل الجهة.

كما أظهرت الصور المتداولة حضورًا اقتصر في معظمه على دائرة ضيقة من المقربين جدًا من العائلة، وهو ما فتح باب النقاش حول أهمية توسيع دائرة الحضور في مثل هذه المحطات لتشمل الكفاءات الشابة والأطر والمثقفين المنتمين إلى نفس الامتداد العائلي، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع الصحراوي، ويعكس دينامية سياسية أكثر انفتاحًا.

وعند مقارنة أساليب العمل السياسي داخل الجهة، يلاحظ اختلاف واضح في منهجية الاشتغال، فعائلة أهل الرشيد داخل حزب الاستقلال استطاعت، عبر سنوات، أن ترسخ حضورًا سياسيًا وإعلاميًا مستمرًا، من خلال الأنشطة الحزبية، والعمل التنظيمي، وتأطير الشبيبة، وإشراك الكفاءات والمقربين منها في مختلف المبادرات، كما عمل حزب التجمع الوطني للأحرار، من خلال فاعليه بالمنطقة، على بناء حضور ميداني وتنظيمي متواصل، مع إعطاء أهمية كبيرة للشباب المقرب من محيطه العائلي، وعمل كلا الحزبين على إعطاء الأولوية للشباب المقرب وتكوينه سياسيا وفتح قنوات تواصل معه بشكل مباشر ومستمر لانهم فهمو دواليب اللعبة، وعرف الاثنين مدى أهمية الرأس مال البشري الشبابي في العمل السياسي، خصوصا أننا في المناطق الجنوبية نتحدث عن عائلات ولا نتحدث عن أحزاب سياسية.

في المقابل، يلاحظ أن عائلة أهل الجماني تتبنى أسلوبًا أكثر تحفظًا في الحضور السياسي والإعلامي، كما يثار نقاش حول محدودية انفتاحها على الطاقات الشابة المنتمية إلى محيط العائلة، فالشباب القريب من العائلة، من أطر جامعية ومثقفين وباحثين وفاعلين في مختلف المجالات، لا يحظى بالحضور نفسه داخل الفضاء السياسي الذي تحظى به فئات أخرى عند عائلة اهل الجماني، وهو ما يخلق انطباعًا لدى البعض بوجود فجوة في التواصل وضعف في إشراك هذه الكفاءات في الدينامية السياسية والتنظيمية، وفي ظل التحولات التي يعرفها المجتمع الصحراوي، لم يعد الرصيد القبلي أو التاريخي وحده كافيًا لضمان استمرارية الزعامة السياسية، بل أصبح الاستثمار في الرأسمال البشري، واحتضان الشباب، وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة والتأطير وتحمل المسؤولية، أحد أهم معايير استدامة أي مشروع سياسي، ومن ثم، فإن توسيع دائرة التشاور والانفتاح على مختلف الكفاءات المحسوبة على الامتداد الاجتماعي للعائلة قد يشكل رافعة حقيقية لتجديد النخب وتعزيز الثقة، خاصة في سياق سياسي لم تعد فيه المنافسة تُحسم فقط بحجم القاعدة الاجتماعية، وإنما أيضًا بقدرة الفاعل السياسي على تأهيل جيل جديد وإشراكه في صناعة القرار.

إن المحافظة على المكانة السياسية لم تعد ترتبط فقط بالرصيد التاريخي أو بالامتداد القبلي، وإنما أصبحت رهينة أيضًا بقدرة الفاعلين على تجديد أدوات اشتغالهم، والانفتاح على النخب الصاعدة، وإدماج الشباب في الفعل السياسي، فالرأسمال الاجتماعي، مهما بلغت قوته، يحتاج إلى تجديد مستمر حتى لا يتحول إلى رصيد جامد يفقد مع الزمن قدرته على التأثير.

ومن هذا المنطلق، تبدو المرحلة المقبلة فرصة أمام عائلة أهل الجماني، لتعزيز التواصل مع محيطها، وفتح قنوات حوار منتظمة مع الشباب والأطر والفاعلين، والاستفادة من الكفاءات التي أفرزها المجتمع الصحراوي خلال السنوات الأخيرة، فالمشاركة السياسية لم تعد تقاس فقط بعدد المقاعد، بل أصبحت تقاس بقدرة الفاعل السياسي على إنتاج الثقة، وصناعة نخب جديدة، وتحويل القاعدة الاجتماعية من مجرد كتلة انتخابية إلى شريك دائم في النقاش العمومي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأحزاب بالأقاليم الجنوبية لا يتمثل في استقطاب أسماء وازنة فحسب، بل في الانتقال من منطق تدبير الانتخابات إلى منطق بناء المؤسسات الحزبية، ومن سياسة الأشخاص إلى سياسة الأفكار، ومن الشرعية التقليدية إلى شرعية الإنجاز والتأطير، فالمجتمع الصحراوي اليوم ليس هو مجتمع الأمس، إذ أفرز جامعاته، وأطره، وباحثيه، وإعلامييه، وفاعليه المدنيين، وهي طاقات تتطلع إلى دور أكبر في صناعة القرار السياسي.

ويبقى السؤال الجوهري، هل تنجح الأحزاب في تحويل هذه الطاقات إلى قوة اقتراح وتأطير، أم تستمر في إعادة إنتاج النخب نفسها بالآليات نفسها؟ وهل تنتقل المنافسة من العصبية الاجتماعية إلى المواطنة السياسية، ومن الولاء للأشخاص إلى الاحتكام للمشاريع؟ إنها أسئلة ستظل مطروحة بقوة، لأن مستقبل الأقاليم الجنوبية لن تحدده فقط نتائج الانتخابات، بل ستحدده أيضًا قدرة الفاعلين السياسيين على مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجال الصحراوي، وإدراك أن الرأسمال الحقيقي لأي مشروع سياسي لم يعد يختزل في النفوذ الانتخابي وحده، بل في بناء الثقة، وتجديد النخب، وصناعة أفق سياسي يوازن بين الخصوصية الاجتماعية ومتطلبات الدولة الحديثة.

مقال رأي بقلم: الطالب الباحث سيد الزين محمد