حاولت جبهة البوليساريو الانفصالية استغلال أشغال الدورة الـ 60 لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، عبر تحريك عدد محدود من الدول الداعمة لها من أجل إعادة طرح خطابها المعتاد داخل المجلس.
وفي هذا الصدد تلت مندوبة الموزمبيق بيانا باسم مجموعة من الدول، من بينها الجزائر وجنوب إفريقيا، قدمت فيه قراءة انتقائية تنتقد وضعية حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية للمملكة، مع الإدلاء بحجج واهية.
واعتمد البيان على طرح يركز على مزاعم الانتهاكات وموضوع تقرير المصير، وهي مواقف ظلت هذه الدول تكررها في مختلف المحافل الدولية. غير أن هذه الادعاءات سبق أن واجهها ممثلو عدة بعثات دبلوماسية في جنيف بالتفنيد، مستندين إلى معطيات ميدانية بعد زيارات قاموا بها إلى الأقاليم الجنوبية والاطلاع على واقعها التنموي والحقوقي.
ويأتي هذا التحرك في وقت تشهد مخيمات تندوف حالة من التوتر والاحتقان، على خلفية قضية الطفل مولود المحجوب، التي أثارت موجة استنكار واسعة بسبب ما قيل إنه تعرض لأعمال تعذيب من طرف عائلة نافذة داخل المخيمات، وسط مطالب بفتح تحقيق ومساءلة المسؤولين عن هذه الممارسات.
وفي مقابل هذه المواقف تواصل عدة قوى دولية تعزيز تعاونها الاقتصادي مع المغرب في الأقاليم الجنوبية، من خلال اتفاقيات تجارية واستثمارية تؤكد إشراك ساكنة المنطقة في الاستفادة من عائداتها. كما تشدد هذه الشراكات على دعم مسار التنمية بالمنطقة دون ربطه بالمسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
مزاعم واهية
تعليقا على الموضوع قال رمضان مسعود العربي، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن “محاولة البوليساريو والجزائر كسر العزلة داخل مجلس حقوق الإنسان بجنيف تبقى ضمن تحركات محدودة الأثر، بالنظر إلى أن عددا من المنظمات الدولية أصبحت على اطلاع على حقيقة الأوضاع الحقوقية المرتبطة بالنزاع”.
وأضاف مسعود، أن “التقارير الصادرة عن هيئات حقوقية دولية وقفت خلال السنوات الأخيرة على الاختلالات والانتهاكات المسجلة داخل مخيمات تندوف، في ظل غياب آليات للمساءلة أو الإصلاح، مقابل الاعتراف بالتقدم الذي حققه المغرب في مجال حماية الحقوق والحريات”.
وأكد الفاعل الحقوقي ذاته أن المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ولجانه الجهوية بالأقاليم الجنوبية، تضطلع بأدوار مهمة في تتبع الأوضاع الحقوقية ومعالجة القضايا المرتبطة بها في إطار المؤسسات والقانون.
واستدرك الخبير في نزاع الصحراء: “إن الوضع داخل مخيمات تندوف يظل مقلقا، في ظل القيود المفروضة على حرية التنقل والاتهامات المتكررة بوقوع انتهاكات في حق بعض الصحراويين، من بينهم أشخاص حاولوا مغادرة المخيمات”.
وفي هذا السياق يرى رمضان مسعود العربي أن “هذه المعطيات تجعل من محاولات تلميع صورة البوليساريو على المستوى الدولي مساعي غير ذات جدوى”، داعيا السلطات الجزائرية إلى تحمل مسؤوليتها إزاء ما يجري فوق أراضيها وضمان احترام حقوق وكرامة الصحراويين داخل المخيمات.
تحولات جيوسياسية
من جهته سجل محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، أن “بعض الدول الداعمة للطرح الانفصالي المرتبط بقضية الصحراء، خاصة داخل القارة الإفريقية، لم تستوعب بعد التحولات الجيوسياسية والسياسية التي طرأت على هذا النزاع خلال السنوات الأخيرة”.
وأكد بقادة أن المداخلة التي قدمتها مندوبة موزمبيق خلال أشغال الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف “عكست خطابا خارج السياق الأممي والدولي، إذ استحضرت مقاربة لا تنسجم مع التطورات السياسية والحقوقية والاقتصادية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة”.
وأضاف المحلل ذاته: “إن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي قبل نحو عشر سنوات ساهمت في إحداث تحول نوعي في نظرة العديد من الدول الإفريقية إلى قضية الصحراء، بعدما تبين أن المشروع السياسي الذي تقترحه الرباط أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ”، مشيرا إلى أن “المناخ الديمقراطي الذي عرفته المملكة، خاصة بعد محطة ‘الربيع العربي’ واعتماد دستور 2011، عزز صورة المغرب كدولة تحترم الحقوق والحريات وتعمل على ترسيخ مؤسساتها الدستورية”.
وأوضح رئيس مركز الدراسات السياسية أن “هذه التحولات دفعت عددا متزايدا من الدول الإفريقية، إلى جانب شركاء دوليين آخرين، إلى إعادة تقييم مواقفها تجاه المغرب، في إطار علاقات تقوم على الثقة والتعاون المشترك، وهو ما انعكس على مستوى الحضور الدبلوماسي والاقتصادي للمملكة داخل القارة وخارجها”.
وشدد المصرح ذاته على أن “فتح عدد من الدول التي كانت تعترف في السابق بالكيان الانفصالي قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة يشكل تجسيدا واضحا لمستوى الثقة والاحترام اللذين يحظى بهما المغرب على الصعيدين القاري والدولي، كما يعكس الاعتراف المتزايد بمغربية الصحراء وبمصداقية مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي”.
وشدد محمد فاضل بقادة على أن “التطورات التي يعرفها الملف، سواء على مستوى الدينامية الدبلوماسية أو على مستوى الإصلاحات السياسية والاجتماعية داخل المملكة، دفعت العديد من الدول إلى مراجعة سياساتها الخارجية بشأن قضية الصحراء”، وهو ما شكل، بحسب تعبيره، “صدمة حقيقية لخصوم الوحدة الترابية للمغرب، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي كرس توجها أمميا جديدا في التعاطي مع النزاع”.

