تواصل أسعار الإبل ولحومها بالأقاليم الجنوبية منحاها التصاعدي، في ظل تراجع ملحوظ في حجم القطيع وارتفاع كلفة التربية والتموين، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على السوق المحلية، حيث تجاوز سعر كيلوغرام لحم الإبل لدى بعض الجزارين بمدينة العيون عتبة 150 درهما.
وبالتزامن مع ذلك، ارتفع سعر اقتناء «البعير» من المصدر من حوالي 18 ألف درهم إلى ما يقارب 22 ألف درهم، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب تقلص العرض، ومسالك تموين الأسواق المحلية، وحجم الإبل المستوردة من موريتانيا والدول المجاورة.
وأعاد هذا الوضع ملف استيراد الإبل إلى واجهة النقاش، خصوصا في ظل حديث متداول عن استفادة عدد محدود من الفاعلين من الرخص الخاصة بإدخال الإبل إلى الأقاليم الجنوبية. وهي المعطيات التي تطرح أسئلة حول طبيعة هذه الرخص، ومعايير منحها، وعدد المستفيدين منها، ومدى تأثير محدودية قنوات الاستيراد على المنافسة والعرض والأسعار النهائية.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الإبل في المنظومة الغذائية والاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية، إذ إن أي تراجع في قنوات التموين ينعكس بشكل سريع على السوق، خاصة في ظل صعوبة قدرة الإنتاج المحلي على تغطية الطلب المتزايد.
وفي مقابل ذلك، تعتمد السلطات المختصة ترتيبات صحية عند الحدود لمواكبة دخول الإبل المستوردة، حيث تخضع القطعان للمراقبة والحجر البيطري تحت إشراف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، قبل السماح بتوجيهها إلى الأسواق، في إطار إجراءات تهدف إلى ضمان سلامة القطيع وحماية الصحة الحيوانية.
كما تضطلع الجهات المكلفة بتأمين الحدود بدور في مراقبة المسالك والحد من إدخال قطعان الإبل خارج القنوات القانونية، وهو ما يضع السلطات أمام تحدي تحقيق التوازن بين محاربة التهريب وضمان استمرار تدفق الإبل عبر المسالك القانونية بما يكفي لتلبية حاجيات السوق.
ويثير الفارق بين أسعار الإبل من المصدر والأسعار المسجلة في السوق النهائية بدوره تساؤلات حول مختلف حلقات سلسلة التزويد، وعدد الوسطاء المتدخلين فيها، وهوامش الربح التي تضاف في كل مرحلة، ومدى مساهمة محدودية العرض وقنوات الاستيراد في رفع الأسعار.
الجفاف وارتفاع كلفة التربية
وفي هذا السياق، يرى علي سالم، أحد مربي الإبل بالأقاليم الجنوبية، أن السوق تعيش مرحلة صعبة بسبب تراجع أعداد القطيع، نتيجة توالي سنوات الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف ومستلزمات التربية.
وأوضح أن ندرة الإبل أصبحت واضحة في الأسواق، وهو ما دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، مشيرا إلى أن ثمن «البعير» تجاوز 20 ألف درهم، فيما وصل سعر الناقة إلى نحو 34 ألف درهم، بينما تتراوح أسعار بعض الجمال بين 55 ألفا و65 ألف درهم، تبعا للسن والحالة وجودة القطيع.
وأضاف أن استمرار تراجع العرض مقابل الطلب قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على الأسعار، في وقت يواجه فيه المربون بدورهم صعوبات متزايدة في الحفاظ على قطعانهم، بفعل ارتفاع تكاليف الأعلاف واستمرار تداعيات سنوات الجفاف.
ويرى المتحدث أن معالجة ارتفاع أسعار الإبل لا ينبغي أن تقتصر على تدابير ظرفية، بل تستوجب إطلاق برنامج متكامل لدعم قطاع تربية الإبل بالأقاليم الجنوبية، يأخذ بعين الاعتبار خصوصية المنطقة وطبيعة هذا النشاط.
كما دعا إلى توفير دعم ملائم للأعلاف والتكاثر والمحافظة على القطيع، إلى جانب تعزيز قدرات المربين على الاستمرار في النشاط، معتبرا أن إعادة بناء القطيع المحلي تشكل أحد المداخل الأساسية لمعالجة اختلالات السوق.
وطالب سالم أيضا بفتح المجال أمام المربين لاستيراد الإبل من الدول المجاورة، وعلى رأسها موريتانيا، وفق مساطر قانونية واضحة وضوابط صحية دقيقة، معتبرا أن تعزيز العرض من الخارج يمكن أن يساهم في تغطية الخصاص المسجل والحد من الارتفاع المتواصل في الأسعار.
وشدد على أن حماية القطيع المحلي لا تعني بالضرورة إغلاق السوق أمام الإبل القادمة من دول الجوار، وإنما تقتضي إيجاد توازن بين دعم الإنتاج الوطني وفتح قنوات قانونية ومدروسة للاستيراد، بما يضمن استقرار السوق ويحافظ على نشاط المربين ويخفف الضغط عن المستهلك.
رخص الاستيراد تحت المجهر
من جهته، اعتبر لميسي عبد الناصر، رئيس الجمعية المغربية لحماية المستهلك بجهة العيون الساقية الحمراء، أن الارتفاع الذي تعرفه أسعار الإبل ولحومها بمدينة العيون أصبح يثير القلق، خصوصا بعدما تجاوز سعر الكيلوغرام لدى بعض الجزارين 150 درهما.
وقال إن هذا الوضع يعيد إلى الواجهة التساؤلات التي سبق أن طرحتها الجمعية حول مسالك تموين السوق بالإبل، وأسباب استمرار ارتفاع الأسعار، خصوصا في ظل تحسن التساقطات المطرية وعودة المراعي في عدد من المناطق، فضلا عن توفر الأقاليم الجنوبية على قطيع مهم من الإبل.
وأوضح أن الجمعية سبق أن راسلت السلطات والجهات الحكومية المعنية، مطالبة بفتح تحقيق لتحديد الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع الأسعار، والتدقيق في مختلف حلقات سلسلة التزويد، بدءا من دخول الإبل إلى التراب الوطني ووصولا إلى السوق والجزار والمستهلك.
ويرى لميسي أن ملف استيراد الإبل من موريتانيا يحتاج إلى مزيد من التوضيح والشفافية، خصوصا بشأن عدد الرخص الممنوحة، ومعايير الاستفادة منها، وحجم القطيع الذي يتم إدخاله بموجبها، ومدى كفاية الكميات المستوردة لتغطية حاجيات الأسواق المحلية.
كما دعا إلى الكشف عن طبيعة المستفيدين من هذه الرخص، في ظل الحديث عن استفادة عدد محدود من الفاعلين، مؤكدا أن أي تضييق غير مبرر على قنوات الاستيراد قد يؤدي إلى تقليص العرض ورفع الأسعار.
وفي المقابل، شدد على أن الإجراءات الصحية المرتبطة باستيراد الإبل تظل ضرورية لحماية الثروة الحيوانية والصحة العامة، داعيا في الوقت نفسه إلى توضيح كيفية تدبير عمليات الحجر والمراقبة البيطرية ومدى تأثيرها على انتظام عملية التموين.
كما طالب بتوضيح أدوار مختلف الجهات المتدخلة في مراقبة الحدود، خصوصا في ما يتعلق بمحاربة إدخال قطعان غير مرخصة، معتبرا أن مكافحة التهريب ينبغي أن تتزامن مع توفير مسالك قانونية كافية ومنظمة للاستيراد.
سلسلة الوسطاء والأسعار النهائية
ولا تتوقف التساؤلات المطروحة عند حدود الاستيراد، بل تمتد إلى سلسلة التوزيع والوسطاء المتدخلين بين المستورد أو المربي والجزار، وصولا إلى المستهلك.
وفي هذا الإطار، تدعو الجمعية إلى التدقيق في هوامش الربح التي تتحقق في مختلف مراحل هذه السلسلة، والكشف عن مدى مساهمة تعدد الوسطاء في رفع الأسعار النهائية، خصوصا أن الزيادة المسجلة في سعر اللحم لا تبدو مرتبطة فقط بسعر اقتناء القطيع.
ويضع تجاوز سعر لحم الإبل عتبة 150 درهما للكيلوغرام ملف السوق أمام أسئلة متعددة تتعلق بحجم العرض، وكلفة الإنتاج، ومسارات الاستيراد، والرخص، والوسطاء، وآليات المراقبة والمنافسة.
وبينما يطالب مربو الإبل بفتح المجال أمامهم للاستيراد لتغطية الخصاص، تدعو جمعيات حماية المستهلك إلى تعزيز الشفافية والكشف عن حقيقة منظومة الاستيراد، تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تعالج أصل المشكلة بدل الاكتفاء بالتعامل مع انعكاساتها على الأسعار.
ويبقى مستقبل سوق الإبل بالأقاليم الجنوبية مرتبطا بمدى القدرة على إعادة بناء القطيع المحلي، ودعم المربين، وضمان استيراد قانوني ومنظم من دول الجوار، وتعزيز المنافسة والشفافية في مختلف حلقات سلسلة التزويد، بما يسمح بتوفير الإبل واللحوم بأسعار أكثر توازنا، ويحد من الضغط المتزايد على القدرة الشرائية للمستهلك.

