لم يعد الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة مجرد حادث معزول أو تطور أمني عابر، بل تحول إلى لحظة سياسية كاشفة أعادت ترتيب المواقف ووضعت الجميع أمام مسؤولياتهم. فبينما سارعت دول عديدة ومنظمات دولية إلى إدانة واستنكار الهجمات التي استهدفت مناطق مدنية، اختارت الجزائر وحدها الصمت، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول موقعها الحقيقي مما جرى.
من واشنطن إلى باريس ومدريد ولندن..، مرورا بعواصم عربية مؤثرة كأبوظبي والدوحة والمنامة والرياض..، توالت بيانات الإدانة بشكل واضح وصريح، مؤكدة رفض استهداف المدنيين وتهديد الأمن والاستقرار الإقليمي. كما عبرت منظمات دولية عن قلقها إزاء هذا التصعيد الخطير الذي يضرب مسار الحل السياسي ويقوض الجهود الأممية.
في المقابل، بدت الجزائر وكأنها تراقب المشهد من خلف جدار الصمت. لا موقف رسمي واضح، لا إدانة، لا استنكار، ولا حتى محاولة لطمأنة الرأي العام الدولي بشأن موقفها من عمل عسكري تبنته الجبهة الانفصالية بشكل مباشر. هذا الغياب لم يمر مرور الكرام، بل فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: كيف يمكن لدولة تدعي دعم السلم والاستقرار أن تلتزم الصمت إزاء هجوم استهدف مدينة مدنية؟
حالتان صحيتان في هرم السلطة بالجزائر: فحوصات مفاجئة لتبون وشنقريحة
القنصلية العامة للمملكة المغربية ب “لاس بالماس” تطلق إعلان هام يخص كل المواطنين المغاربة والسياح العالقين والمقيمين بدائرة نفوذها، وهذا ما جاء فيه
قرار أمريكي تاريخي في مجلس الأمن: تثبيت مغربية الصحراء وإجهاض أطروحة الانفصال..
الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادا، بل يتحول إلى رسالة سياسية قائمة بذاتها. وعندما يصدر عن دولة ترتبط بشكل مباشر بالملف، وتحتضن فوق أراضيها قيادة الجبهة الانفصالية ومخيماتها، فإن هذا الصمت يصبح أكثر ثقلا من أي تصريح.
لقد أدرك المنتظم الدولي خطورة العودة إلى منطق التصعيد العسكري، لذلك جاءت الإدانات متتالية وحازمة. الرسالة كانت واضحة: لا مكان لاستهداف المدنيين ولا شرعية لأي سلوك يهدد الاستقرار الإقليمي أو ينسف المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة.
أما الجزائر، فقد وجدت نفسها في وضع دبلوماسي حرج؛ فهي من جهة تحاول الظهور كطرف غير معني مباشرة بالنزاع، ومن جهة أخرى تلتزم الصمت حين يتعلق الأمر بإدانة هجوم تبنته جهة مرتبطة بها سياسيا وعسكريا. هذا التناقض يضعف خطابها أمام المجتمع الدولي ويجعل ادعاء الحياد أكثر هشاشة.
الهجوم على السمارة لم يكشف فقط الوجه العدائي للجبهة الانفصالية، بل عرى أيضا ازدواجية الخطاب الجزائري. فالعالم وقواه الحية أدانت واستنكرت، بينما اختارت الجزائر دفن رأسها في الرمال، وكأن شيئا لم يحدث.
لكن في السياسة، كما في الدبلوماسية، الصمت ليس دائما ملاذا آمنا؛ أحيانا يكون اعترافا غير مباشر، وأحيانا أخرى إدانة ذاتية لا تحتاج إلى بيان رسمي. واليوم، بعد الإجماع الدولي الرافض لاستهداف السمارة، تبدو الجزائر أكثر عزلة من أي وقت مضى، أمام اختبار سياسي وأخلاقي لن يكون تجاوزه سهلا.

