قبل أسابيع قليلة من موعد استدعاء الهيئة الناخبة للانتخابات النيابية في الجزائر، المقررة منتصف العام الجاري، مع احتمال متزايد لتنظيم انتخابات محلية مبكرة تزامناً مع الانتخابات النيابية، تعيش الجزائر، خلال شهر فبراير الجاري، على وقع نقاش سياسي محتدم وجولة مشاورات مستمرة حول ما تُسمى “التعديلات التقنية” ومسودة قانون الانتخابات الجديد المنتظر.
وبينما يروّج النظام الجزائري لهذه الخطوات “كمسار لتعزيز المؤسسات” يرى متابعون ومحللون أنها لا تعدو كونها “ديكوراً ديمقراطياً” يخفي صراعاً عميقاً بين أجنحة السلطة العسكرية الحاكمة. وتتمحور محاور هذا النقاش حول إعادة صياغة صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية، في ظل عزلة إقليمية متزايدة، ومحاولات مستمرة من نظام “قصر المرادية” للبحث عن “شرعية” جديدة عبر افتعال أزمات خارجية، ولا سيما مع الجار المغربي، لتوجيه الرأي العام الداخلي وتثبيت “أركان العساكر”.
عمق التعديلات لـ”تجميل الواجهة”
أبدى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة وجدة خالد شيات اعتراضاً قوياً على تسمية التعديلات الجارية والمقترحة بـ”التقنية”، مؤكداً أنها تمس جوهر النظام السياسي في الجزائر.
وشرح شيات، المتابع عن كثب للشأن الجزائري، أن “عمق التعديلات يطال مفاصل القضاء، البرلمان، ومنظومة السلطة التنفيذية، ولو حدثت في أي دولة أخرى لاعتُبرت تغييراً في طبيعة النظام نفسه، وليست مجرد إجراءات تقنية”.
ويرى المصرح عينه أن “النظام الجزائري يحاول استغلال الوضع العام لإيهام الشعب بوجود عملية لتقوية الجبهة التنفيذية، بينما الهدف الحقيقي هو تكريس ‘الديمقراطية الصورية’ وتركيز السلطة في يد جهة واحدة”.
وعدّ الأكاديمي ذاته أن “نظام العساكر يجد ضالته في التهييج المرتبط بمفهوم العداء الخارجي، وتحديداً تجاه المغرب، لاستخدامه كمتنفس سياسي ووسيلة لتضليل الشعب الجزائري تحت مسمى ‘المقاومة’ أو ‘الجبهة الداخلية’”، مبرزا أنه “يُشهر ورقة العداء الخارجي مع اقتراب كل استحقاق سياسي في البلاد”.
وأجمل المحلل نفسه معلقاً: “العملية برمّتها محاولة لاستغلال الظرفية لتمتين ركائز النظام وتعزيز التحكم في المنظومة السياسية، إذ تُراد صياغة ‘واجهة مدنية’ تُجمّل واقعاً تقبض فيه المؤسسة العسكرية بمزيد من زمام السلطة الفعلية”.
مأزق نظام معزول
بدوره أكد المحلل السياسي لحسن أقرطيط أن التحركات السياسية الراهنة في الجزائر “لا تمتّ بصلة لتعزيز الديمقراطية”، معتبراً أن هذا النقاش غير وارد أصلاً في ظل نظام طبيعته “عسكرية” بامتياز.
وأوضح أقرطيط أن طبيعة النظام السياسي الجزائري أنه تأسس على أرضية تخدم مصالح “الطغمة الحاكمة”، وما نراه اليوم من تحركات “ليس سوى انعكاس لصراع الأجنحة وتضارب المصالح داخل أجهزة الدولة”، بتعبيره.
وبحسب المحلل ذاته، فالنظام في الجزائر يعيش حالياً “منعطفاً دقيقاً يتسم بمأزق سياسي داخلي وعزلة إقليمية واضحة، فضلاً عن غياب تام للتقاليد الديمقراطية وانفراد السلطة بصلاحيات واسعة، ما أدى إلى انعدام الأفق السياسي”.
ولفت المتحدث نفسه إلى أن “منصب رئيس الجمهورية في الجزائر ليس بعيداً عن تجاذبات المؤسسة العسكرية، فهو مرتبط بتوازنات المصالح الاقتصادية للنخب العسكرية”، وزاد: “كما أن دور الرئيس في الجزائر لا يتجاوز كونه جهة تنفيذية للقرارات الصادرة عن الجهات الحقيقية التي تقف خلف الدولة”.
وختم أقرطيط تصريحه بمقولة تلخص الحالة الجزائرية في تقديره: “بينما تمتلك كل دول العالم جيوشاً فإن الجزائر هي الدولة الوحيدة التي يمتلك فيها الجيشُ دولةً”.

