يشكّل دعم دول الساحل، وعلى رأسها النيجر وبوركينافاسو، للوحدة الترابية للمملكة وإشادتها بمضامين قرار مجلس الأمن الأخير الذي أقرّ حلّ الحكم الذاتي للنزاع حول الصحراء، حسب مهتمين، مؤشّراً بارزاً على التحولات العميقة في ديناميات وموازين الشرعية الإقليمية، واعترافاً بقدرة المغرب على إعادة صياغة مستقبل واستقرار المنطقة بمنطق يجمع بين الفعالية السياسية والقدرة على إدارة التوازنات في منطقة شهدت لعقود هشاشة أمنية ومؤسساتية، إلى جانب تدخلات خارجية أسهمت في تعميق أزماتها.
ويؤكد مهتمون في هذا الصدد أن دول الساحل أصبحت تتعامل مع المغرب باعتباره منصة موثوقة لإرساء الاستقرار الإقليمي، مدعومة برصيدها الاقتصادي والسياسي والروحي الذي راكمته في القارة الإفريقية، مسجّلين أن دعم هذه الدول لمغربية الصحراء يأتي إدراكاً منها أن هذه الخطوة هي مفتاح الشراكة الحقيقية مع المملكة والاستفادة من الحلول المستدامة التي تطرحها.
تراكم هادئ
هشام معتضد، باحث في الشؤون الإستراتيجية، قال إن “ما يجري اليوم في الساحل، بما في ذلك اصطفاف دول مثل النيجر وبوركينافاسو خلف الموقف المغربي من قضية الصحراء، لا يمكن أن نقرأه كمجرد تحول دبلوماسي عابر، بل بداية لحظة انتقال تاريخية تعيد تشكيل ميزان الشرعيات في الإقليم”، مشيرا إلى “انهيار ما كان يُسمّى ‘النفوذ التقليدي’ للساحل، ليس لأن قوة جديدة قررت أن تحلّ مكان أخرى، بل لأن البنى السياسية والأمنية التي حكمت المنطقة منذ عقود بلغت حدّها الأقصى ولم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار ولا التنمية”.
وأضاف معتضد أن “هذا الانهيار لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل تراكمياً، ناتجاً عن نموذج تدخّل عسكري خارجي لم يفهم الميكانيكيات الاجتماعية والثقافية المحلية، وعن منظومات حكم داخلية عانت من هشاشة بنيوية”، وزاد: “عندما تتراكم الإخفاقات في الحكم والأمن والاقتصاد لسنوات يصبح من الطبيعي أن تبحث الدول عن شركاء يقدّمون مقاربات مختلفة، أكثر احتراماً للسيادة وأكثر اتصالاً بالفاعلين المجتمعيين، وهذا ما وجدته هذه الدول في المغرب”.
وشدد المتحدّث على أن “المغرب قدم مقاربة مختلفة جذرياً، مقاربة ‘التراكم الهادئ’؛ وهو ليس شعاراً، بل فلسفة عمل تُترجم في الاقتصاد بالدفع المتدرّج للمشاريع الكبرى دون ضجيج، وفي الدين عبر إعادة صياغة مرجعية روحية قائمة على الاعتدال والاستمرارية، وفي الأمن عبر بناء قدرات ذاتية بدل الاتكال على حلول مستوردة”، معتبراً أن “هذه المقاربة تجعل نتائج المغرب أكثر استدامة وأقل عرضة للانهيار”.
وأوضح الباحث ذاته أن “الترحيب الواضح من النيجر وبوركينافاسو بقرار مجلس الأمن الأخير، الذي كرّس بصيغة غير مسبوقة مصداقية مبادرة الحكم الذاتي، ليس مجرد تفاعل بروتوكولي، بل إقرار بأن الاستقرار الإقليمي يمرّ حتماً عبر قوة إقليمية مسؤولة وقادرة على تقديم بدائل واقعية، وهو ما يجسّده المغرب في نظر هذه الدول”، مضيفاً أن “هذه الدول تبحث عن حليف يوازن بين القدرة على الفعل والقدرة على حفظ الاستقرار، وهو توازن نادر لا يتوفر إلا في عدد محدود من القوى الإقليمية، والمغرب واحد منها”.
وخلص معتضد إلى أن “دول الساحل تدرك تماماً أن المغرب، بحكم استقراره السياسي وقدرته على التوسّط بين القوى الدولية والإقليمية، أصبح منصة موثوقة لإدارة التوازنات في لحظة عالمية مضطربة؛ لذلك فإن دعم هذه الدول للموقف المغربي هو أيضاً دعم لتصور جديد لبنية الأمن الإقليمي، تصور بعيد عن الأجندات العسكرية الثقيلة، وقريب من منطق التنمية والتمكين”.
نفس طويل
من جهته أوضح جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن “دعم كل من بوركينافاسو والنيجر لمغربية الصحراء والإشادة بقرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 ليس مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل ثمرة من ثمار العمل الدؤوب والمتواصل طيلة عقود”.
وتابع القسمي بأن “المغرب نهج إستراتيجية النفس الطويل والشراكات الهيكلية؛ فمقاربته كانت مختلفة عن بعض القوى التي اعتمدت المقاربات الأمنية والعسكرية، التي سرعان ما انهارت بحدوث انقلابات أو تغيرات في موازين القوة”، مسجلاً أن “الرباط استطاعت بمقاربة متميزة تعاملت بمنطق الشركاء وليس الزبائن أن يصير وجودها عضوياً وليس دخيلاً؛ عبر شركات التأمين والبنوك التي ساهمت في اقتصاديات هذه الدول، وشركات الاتصالات والبناء ومساهمتها في البنية التحتية، بالإضافة إلى دورها الكبير في تكوين الآلاف من الكفاءات من الكوادر الإدارية والعسكرية من دول الساحل الذين تخرجوا من الجامعات والمعاهد المغربية”.
وبيّن الباحث ذاته أن “المغرب نجح في تحويل الرصيد الاقتصادي والروحي إلى مكاسب سياسية من خلال معادلة الاحترام المتبادل للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؛ ففي وقت حوصرت الدول المعنية وتعرضت لضغوط من فرنسا ومنظمة ‘الإيكواس’ لم يشارك المغرب في هذا الحصار، وأبقى قنوات الاتصال مفتوحة واحترم خياراتها الداخلية، والنتيجة بالمقابل احترام هذه الدول للوحدة الترابية للمملكة”.
وأبرز المتحدث أن “هذا الاعتراف من دول الساحل يتجاوز منطق المجاملة الدبلوماسية، بالنظر إلى ما تشكله المبادرة الأطلسية من أهمية لها؛ أولاً من خلال فك العزلة الجغرافية والولوج إلى المحيط الأطلسي عبر موانئ الصحراء، وهذا لن يتأتى دون الاعتراف بمغربية الصحراء”، وأكد أن “موجة الاعترافات والتأييد لمغربية الصحراء، وخاصة من دول الساحل، تزيد من عزلة الطرح الانفصالي إقليمياً وتعيد تشكيل الجيوسياسية الإقليمية؛ فمع وجود كتلة من دول الساحل تدعم الطرح المغربي يصبح الاعتراف بمغربية الصحراء هو القاعدة، والعداء هو الاستثناء”.

