أعاد الاجتماع رفيع المستوى الذي جمع مستشاري الملك محمد السادس بقيادات الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان ترتيب مسار النقاش الوطني حول مبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، في سياق تحولات إقليمية ودولية تعيد تشكيل موازين التفاعل مع هذا المقترح داخل منظومة الأمم المتحدة.
اللقاء، الذي احتضنه المشور السعيد بحضور وزيري الداخلية والخارجية، حمل إشارات واضحة نحو استعادة المقاربة التشاركية التي اعتمدها الملك في تدبير ملف الوحدة الترابية، عبر إشراك مختلف المكونات الوطنية في صياغة النسخة المحدّثة من مشروع الحكم الذاتي.
وتفاعل الرأي العام في الأقاليم الجنوبية بشكل لافت مع فحوى هذا الاجتماع، معتبرًا أنه يمهّد لانطلاق مرحلة جديدة من الحوار الوطني المسؤول حول مستقبل النموذج المغربي للحكم الذاتي.
ويُرتقب أن يتسع هذا النقاش خلال الأسابيع المقبلة ليشمل الساكنة المحلية، بما يجعلها طرفًا فاعلًا في بلورة تفاصيل المقترح قبل رفعه إلى الأمم المتحدة، انسجامًا مع مبدأ القرب وإرساء ثقافة المشاركة في القرارات المصيرية.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس إرادة سياسية واضحة لإشراك كل القوى الوطنية، بما فيها المؤسسات الاستشارية والمجالس المنتخبة، وفي مقدمتها المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، لضمان صيغة توافقية تعبّر عن إجماع وطني واسع يدمج الأبعاد التنموية والحقوقية والسياسية للأقاليم الجنوبية.
ويؤكد خبراء أن عملية تحيين المبادرة المغربية تأتي امتدادًا لمسار الإصلاح المؤسساتي الذي طبع عهد الملك محمد السادس، وتعزز مكانة الرباط على مستوى الترافع الدولي، في ظل الدعم المتزايد الذي تحظى به المبادرة من قِبل الدول المؤثرة والهيئات الإقليمية.
وبينما تتطلع الساكنة الجنوبية إلى مشاورات ميدانية تُعيد الاعتبار لصوت المواطن الصحراوي، تأمل في أن تُترجم هذه الدينامية إلى رؤية محدثة تدعم الاستقرار وتُعزز التنمية، وتكرّس صورة المملكة كفاعل مسؤول ومؤثر في محيطها الإقليمي.
مشاورات موسّعة مرتقبة
إبراهيم بلالي اسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، أوضح أن المقاربة التشاركية المعتمدة اليوم تعود جذورها إلى الخطاب الملكي ليوليوز 2006، حين عبّر الملك عن عزمه تقديم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما تُرجم بعد مشاورات واسعة إلى المبادرة المقدمة للأمين العام للأمم المتحدة سنة 2007، والتي أصبحت مرجعًا رئيسيًا أمام مجلس الأمن إلى غاية القرار الأخير رقم 2797.
وأضاف اسويح أن المرحلة الحالية تكشف عن إرادة ملكية واضحة لتعزيز الإجماع حول القضية الوطنية، من خلال توسيع دائرة النقاش الداخلي بشأن كل المستجدات المتعلقة بالوحدة الترابية، مؤكدًا أن الملك ما فتئ يؤكد في خطاباته ضرورة تعبئة كل القوى الحية، إدراكًا منه لأهمية الجبهة الداخلية في دعم الموقف المغربي.
وأشار المتحدث إلى أن اجتماع المشور السعيد يحمل رسالة سياسية وقانونية مفادها أن أي تحيين دستوري أو مؤسساتي مرتبط بقضية الصحراء ينبغي أن ينبع من رؤية وطنية جامعة تُغني المقترح الجديد بمعطيات واقعية مستمدة من تجربة الأحزاب في تدبير الشأن العام محليًا ومركزيًا.
كما أكد أن الدعوة الأممية لاستئناف المفاوضات تجعل النسخة المحدثة من المبادرة المغربية وثيقة مركزية في المرحلة المقبلة، خاصة أن المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا ينتظر تقديم هذه الصيغة باعتبارها ركيزة أساسية في دعم المسار السياسي.
وأضاف أن النسخة الجديدة ستحافظ على روح المسودة الأصلية، لكنها ستتضمن تفاصيل أدق حول توزيع الاختصاصات، وهيكلة مؤسسات الحكم الذاتي، والعلاقة بين المركز والجهة، بما يعكس التحولات التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين.
رهانات التحديث والتوافق الوطني
من جهته، اعتبر الطالب بويا أباحازم، أحد شيوخ القبائل الصحراوية، أن الاجتماع الأخير يترجم العناية الملكية الدائمة بإشراك مختلف الفاعلين الوطنيين في الملفات الكبرى، تنفيذًا للتوجيهات الملكية الداعية إلى تحيين مبادرة الحكم الذاتي وفق رؤية متقدمة تكرّس السيادة المغربية الكاملة.
وأوضح أباحازم أن المبادرة الجديدة ليست رد فعل آنياً، بل امتداد لمسار ملكي يعتبر أن قضية الصحراء قضية جميع المغاربة، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة مرشحة لتوسيع دائرة المشاورات لتشمل المؤسسات الاستشارية وفعاليات المجتمع المدني وشيوخ القبائل الصحراوية، لضمان تمثيلية كاملة للساكنة المحلية في صياغة النسخة النهائية.
وأكد المتحدث أن هذه الدينامية الوطنية تعبّر عن لحظة تعبئة جماعية تسبق عرض النسخة المحدثة على المنتظم الدولي، داعيًا إلى تعزيز التماسك الوطني وتوحيد الرؤى من أجل تقديم مقترح متكامل يحظى بإجماع المغاربة، ويشكل أرضية صلبة للحسم النهائي في النزاع المفتعل.
وختم بالقول إن العالم يترقب الصيغة المغربية الجديدة، بينما المملكة تمتلك من النضج السياسي والمؤسساتي ما يؤهلها لتقديم نموذج متوازن وفعّال يجعل من الأقاليم الجنوبية محورًا للتعاون الإقليمي ورافعة للتنمية والاستقرار في المنطقة.

