مقترح موريتاني يعيد ملف الحدود إلى واجهة مفاوضات الصحراء.. هل بدأت الأطراف تبحث في ترتيبات ما بعد التسوية؟

أعاد مقترح موريتاني يقضي بتشكيل لجنة متخصصة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم ملف الحدود إلى واجهة النقاش حول مستقبل قضية الصحراء، في وقت تشهد فيه المفاوضات تحولات لافتة لم تعد تقتصر على عرض المقترحات السياسية، بل امتدت إلى بحث عدد من الترتيبات المرتبطة بتنفيذ أي تسوية محتملة.

وتبرز أهمية الطرح الموريتاني بالنظر إلى الحساسية التي ظلت تحيط بمسألة الحدود طوال عقود النزاع، خصوصاً في ظل ارتباطها المباشر بالأمن الإقليمي والعلاقات بين دول المنطقة. كما أن إدراجها ضمن النقاش يفتح الباب أمام قراءة جديدة لمسار المفاوضات، عنوانها الانتقال التدريجي من البحث عن صيغة للحل إلى مناقشة بعض التفاصيل التي قد تترتب عن الوصول إليه.

ويأتي ذلك في ضوء ما أورده تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المؤرخ في الأول من أكتوبر 2026، بشأن جولات الحوار التي جمعت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، والتي تناولت مجموعة من القضايا، من بينها الضمانات المرتبطة بتنفيذ أي اتفاق، والترتيبات الأمنية، ونزع السلاح وإعادة الإدماج، والمصالحة، والأنظمة الانتخابية وتقاسم الموارد، إلى جانب أفكار مرتبطة بإمكانية إنشاء مجلس انتقالي.

كما أشار التقرير إلى اشتغال الأمم المتحدة والولايات المتحدة على مشروع أولي لاتفاق إطار بشأن مرحلة انتقالية محتملة، بناءً على طلب المشاركين في المفاوضات.

وفي هذا السياق، يبدو المقترح الموريتاني أقرب إلى طرح يتعلق بترتيبات التسوية ومآلاتها منه إلى كونه إعلاناً عن خريطة جديدة أو اتفاقاً نهائياً بشأن الحدود. فالتقرير الأممي يؤكد أن قضايا جوهرية، في مقدمتها السيادة وتقرير المصير، لا تزال موضع خلاف بين الأطراف، وأن المقترحات المطروحة لم تتحول بعد إلى اتفاق ملزم.

ومع ذلك، فإن عودة الحدود إلى طاولة النقاش تحمل دلالة سياسية مهمة، لأنها تتصل مباشرة بالسؤال الذي يطرح نفسه في أي تسوية محتملة: ماذا سيحدث في اليوم التالي للاتفاق؟

فترسيم الحدود أو توضيحها، وترتيبات الأمن، وإدارة الموارد، والعلاقات بين دول الجوار، كلها ملفات يمكن أن تصبح جزءاً من المرحلة اللاحقة لأي حل سياسي. ومن ثم، فإن إنشاء لجنة متخصصة لهذا الغرض قد يعكس رغبة في معالجة أحد الملفات التي يمكن أن تظل مصدراً للتوتر إذا لم تتم تسويتها بشكل واضح.

وتكتسي المسألة أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالمنطقة، وهو ما يجعلها معنية بشكل مباشر بأي ترتيبات جديدة قد تفرزها التسوية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم المقترح الموريتاني باعتباره محاولة لإدراج الاعتبارات الحدودية ضمن التصور الأوسع لأي حل مستقبلي.

لكن الحديث عن «خريطة ما بعد التسوية» يظل سابقاً لأوانه، إذ لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، مؤشرات على اتفاق نهائي بشأن إعادة رسم الحدود أو تغيير وضعها القانوني. كما أن مسار المفاوضات لا يزال مفتوحاً على خلافات جوهرية، فيما تواصل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو» أداء مهامها في إطار الوضع القائم.

لذلك، فإن التطور الأبرز لا يكمن بالضرورة في وجود اتفاق حول الحدود، وإنما في أن النقاش بدأ يلامس ملفات كانت تُطرح عادة باعتبارها من تفاصيل المرحلة اللاحقة للحل. وهو ما يجعل الأسئلة المقبلة أكثر ارتباطاً بكيفية تنفيذ التسوية، وليس فقط بمضمونها السياسي.

ومن سيحدد الحدود في حال التوصل إلى اتفاق؟ وما طبيعة الضمانات التي سترافقه؟ وكيف ستنظم الترتيبات الأمنية وإدارة الموارد والعلاقات بين الأطراف والدول المجاورة؟ وهل ستكون هناك آليات انتقالية قبل الوصول إلى وضع سياسي نهائي؟

أسئلة تكشف أن أي تسوية محتملة لن تكون مجرد إعلان سياسي، بل ستحتاج إلى منظومة واسعة من الترتيبات القانونية والأمنية والمؤسساتية والميدانية.

وفي المقابل، تظل الموقف المغربي واضحاً في التشبث بسيادة المملكة ووحدتها الترابية، واعتبار الأقاليم الجنوبية جزءاً لا يتجزأ من التراب الوطني، مع تأكيد الرباط أن أي حل سياسي ينبغي أن يتم في إطار يحترم هذه الثوابت.

وعليه، فإن المقترح الموريتاني لا يعني، في حد ذاته، أن خريطة جديدة للصحراء باتت جاهزة، لكنه يضيف مؤشراً جديداً إلى مسار مفاوضات يبدو أنه بدأ يلامس، إلى جانب جوهر التسوية السياسية، تفاصيل المرحلة التي قد تليها.